«نحن».. ازدواجية تواجه نفسها! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الخميس 14 نوفمبر 2019 6:14 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

«نحن».. ازدواجية تواجه نفسها!

نشر فى : الخميس 4 أبريل 2019 - 9:30 م | آخر تحديث : الخميس 4 أبريل 2019 - 9:30 م

لا تستطيع، وأنت تشاهد الفيلم الأمريكى «نحن» أو «us»، الذى كتبه وأخرجه جوردان بيل، أن تمنع نفسك من تفسيرات كثيرة لما تراه، مع التسليم كالمعتاد بامتلاك جوردان لنوعية أفلام الرعب، إنه يصنعها ببراعة وتمكن، ولكنه يتجاوز الشكل إلى مضمون أعمق، أو هكذا نظن، بعد تجربته المدهشة فى فيلم «الخروج»، وكان موضوعه العلاقة المضطربة بين البيض والسود، من خلال قصة معاصرة مخيفة، أقرب إلى الكابوس: ظاهر العلاقة حب وعاطفة، وجوهرها عبودية جديدة، تصل إلى درجة سرقة الجسد.

فى فيلم «نحن» كابوس من نوع آخر، شخصيات انقسمت إلى جزئين: طيب وشرير، كل فرد يريد أن يقتل قرينه الذى يشبهه، والقتل يتم بصورة شرسة، الأمر لا يتوقف على البيض وحدهم، أو السود وحدهم، ولكنه يشمل البيض والسود معا، صحيح أننا نبدأ الفيلم مع عائلة أمريكية سوداء، اقتحمت عليها بيتها ما يشبه أفرادها من الأشرار القتلة الدمويين، فإن هناك أيضا عائلة بيضاء تتعرض للهجوم من قرنائها الشرسين، وعندما تسأل بطلة الفيلم السوداء آدى قرينتها الشرسة السوداء: «من أنتم؟»، تقول لها القرينة: «نحن الأمريكيون»، كلمة «us» نفسها تذكرنا بحروف تختصر اسم الولايات المتحدة.

العلاقة بين الأسرة البيضاء والسوداء، قبل أن يكتشف كل طرف وجود قرناء شرسين من نفس لونه، تبدو جميلة ولطيفة جدا، العائلتان نموذجان فى تحقيق «الحلم الأمريكى»، وهما يقضيان إجازة صيف فى سانتا كروز، لا يمكن أن تتخيل وجود هذه الازدواجية المخيفة فى داخلهم، والتى تتجسد واقعا داميا بين الفرد وشبيهه بعد ذلك، وكأننا أمام تطوير لفكرة د. جيكل ومستر هايد، على الطريقة الأمريكية.

تفسير هذا الشر سيكون بالعودة إلى العام 1986، عندما كانت بطلتنا آدى طفلة، ضلت الطريق إلى مكان غامض فى مدينة الملاهى، وجدت فيه طفلة قرينة لها، ولكن الفيلم يكرر الإشارة إلى «سفر إرميا»، وإلى موضع محدد منه، يشير إلى شر قادم من السماء، لا يستطيع الناس الخروج منه، عقابا لهم عن خيانة عهدهم مع الله، وهكذا تتحول الجنة الموعودة، إلى كابوس وعقاب مروع، يصنع فيه القرناء الأشرار، من البيض والسود، سلسلة مخيفة، لعلها ستحيط بأمريكا كلها.

الجوهر يناقض الظاهر من جديد، وفكرة العائلة النموذجية يتم تدميرها فى مشاهد دموية، والشر لا يبدو عابرا أو فرديا، ولكنه شر مكتسح ومستمر، وهو فى الطرفين معا: البيض والسود، ازدواجية شاملة، وفى كل الاتجاهات، وفى كل الأعمار، الرعب هنا يمتد إلى الوطن كله، وبذلك لا يمكن من جديد أن تبعد معنى «نحن» عن الأمريكيين، مثلما قالت القرينة الشريرة لآدى، والتى ستصدمنا حقيقة هويتها فى المشهد الأخير، مما يجعل الكابوس معقدا للغاية.

فى الفيلم كل ملامح فيلم الرعب الذى يوظف الصمت والموسيقى، ويتفنن فى ابتكار طرق القتل والتخويف، جوردان بيل لا يفلت مشهدا ولا جوا ولا تفصيلة، بل إنه يستعرض مهارته فى تحقيق الرعب فى الظلام وفى ضوء الشمس أيضا، ويدير ببراعة أبطاله، من البيض والسود، ليؤدى كل منهم شخصيتين: طيب ووديع، وشرير وشرس، سيناريو متقن للغاية، سواء فى مقدمته، أو فى انتقالاته بين الأماكن، أو فى تجميعه الذكى لخيوطه فى النهاية، كما أن الموسيقى من أبرز عناصر الفيلم المميزة، إنها تمنحنا شعورا بالعودة إلى زمن بدائى، لا يستطيع الإنسان أن يتحكم فيه، ولا يمكنه أن يتوقع فيه أى شىء.

يبدو جوردان متشائما فى «الخروج»، وهو أيضا كذلك فى «نحن»، هل تراه يحذر من النفوس والنوايا السيئة المستترة عند البيض والسود التى قد تؤدى إلى الفوضى؟ وهل يرى أن الحلم الأمريكى نفسه قد صار كابوسا أرسلته السماء؟ فى الفيلم أيضا لا نرى الشرطة أبدا رغم الإبلاغ بالخطر، لا أحد يصل رغم الوعد بالنجدة!.

صورة مخيفة للغاية: طفلة ارتدت «تى شيرت» أسود، دخلت بيت الرؤيا، لتصل إلى الأنفاق والمسارات السفلية، فخرجت الظلال بعد سنوات، لتعاقب أهل المدينة إلى الأبد، ولا نجاة أو مهرب: فليصارع كل فرد قرينه، وهو صراع وجود، يعيش فيه من يصمد حتى النهاية، إنها حرب ضد الذات الأخرى فى داخل كل شخص.

التعليقات