لب البطيخ - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 12:31 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


لب البطيخ

نشر فى : الخميس 4 أبريل 2019 - 9:35 م | آخر تحديث : الخميس 4 أبريل 2019 - 9:35 م

جلست صاحبتنا تنزع اللب من قطعة تلو الأخرى من قطع البطيخ حتى انتهت تماما من عملها ، أخذت منديلا ورقيا من علبة المناديل الموجودة أمامها ومسحت النقاط الحمراء التي تناثرت على جنبات الطبق ودفعت به إلى زوجها قائلة: بالهنا.

بعد لحظة صمت استوعب فيها المدعوون هذه اللفتة غير المألوفة من زوجة لزوجها انفجرت عاصفة من السخرية في وجهيهما ، قال أحدهم مخاطبا الزوج: يا بختك يا عّم، وحدثّتها صاحبة المنزل قائلة: حاتبوظي أجوازنا علينا، وسارت كل التعليقات من بعد في الاتجاه نفسه. لم يستوعب أحد من الجالسين كيف يمكن لامرأة أن تنوب عن زوجها في نزع لب البطيخ، لا بل وتمارس هذا العمل البسيط جدا وهي في قمة الحرص والصبر والأناة والأريحية. قالوا ذلك، وذكروا كل الصفات الممكنة: الحرص والصبر والأناة والأريحية وسقطت منهم صفة حب، إنها تفعل ما تفعله بمنتهى الحب، وفي ثنايا هذا الحب تكمن كل التفاصيل.

***
آه لو يعلم هؤلاء كم انتظرت صاحبتنا اللحظة التي تصبح فيها مدام فلان، تنتسب إليه.. تُحسَب عليه.. تكون له، وعندما نقلت الدبلة من يدها اليمنى إلى يدها اليسرى أحست بأن كيانها كله اختُزل في تلك اليد أو أن كل كيانها صار يخدم يدها، هذا العصب يحركها، وهذا الشريان يغذيها، وهذا القلب يناجيها، وهذا الكل يباركها. في أول مرة ناداها بائع جوّال بلقب مدام وما كان قد مضى على زواجها سوى بضعة أيام فرحت جدا واشترت من البائع كل برتقاله ، أرادت أن تكافئه لأنه اكتشف سرها الذي هو ليس بسر، عرف أنها صارت في عصمة الرجل الوحيد الذي أحبته فاشترت منه كل البرتقال. هل فضحتها سعادتها؟ هل العازبات لا يشترين البرتقال ؟ هل رأى دبلتها ؟ ليس مهما كيف عرف، المهم أن وضعها الاجتماعي تغير وأن التغير انتقل من خانة البطاقة إلى أفواه الجميع ، والدليل هو بائع البرتقال.

***
صارت عروسا في الأربعين من عمرها، وكان يمكن أن تكون عروسا في الخمسين أو حتى أكثر، ما تبقى فيها نَفَس كانت سوف تنتظر فمن يتعب من الانتظار هو من يملك البديل، وبالنسبة لها لم تكن هناك بدائل، إما هو أو لا أحد. لم تمر بلحظات الضعف التي تمر بها كل البنات، لم تحّن إلى أغنية دقوا المزاهر ولا إلى الثوب الأبيض والطرحة المصنوعة من الدانتيلا يرفعها صاحب النصيب، فبدون من تحب كل نغمة نشاز والثوب والطرحة مجرد قماش، وبعد ذلك يستكثرون عليها أن تخلي له البطيخ من اللب؟ تغاضت عن فضول الجالسين حولها وسألت زوجها والصّب تفضحه عيونه: عاوز تاني ؟ رد مكايدا الآخرين: ياريت، فعاودت مهمتها المقدسة وغرست السكين في قطعة جديدة من قطع البطيخ.

***
أشواك وأشواك سارت عليها بل سارا عليها معا حتى ارتبطا، كانا ينزعان الأشواك من طريقهما كما هي تنزع له اللب من البطيخ، هل لأجل ذلك هي تحب هذا المظهر من مظاهر الاهتمام بزوجها أكثر من أي مظهر آخر؟ لا .. بالتأكيد لا.. فشتان الفرق بين أشواكهما ولب البطيخ، كان زواجهما على المحك فعلا، وتراءى لها في لحظة معينة أن العالم كله يقف ضدهما وأنها أبدا لن تكون له، وبدأت توطّن النفس على ذلك وتقنع نفسها بأنها ليست الأولى ولن تكون الأخيرة . ثم فجأة ودون مقدمات لامست عصاَ سحرية كل الأشواك فألانتها، دخله الشهري المحدود، أمه غير الودودة، نظارته السميكة، ميوله الانطوائية، كل ما كان غير مقبول انقلب وضعه فصار مقبولا. تأكد الأهل من تصميم ابنتهم فتعاملوا مع العريس الذي فرضته عليهم بمنطق: نص العمى فانطلق الدخان الأبيض وأقيمت الأفراح.

***
تستغرب جدا أن يكون التعبير عن الحب مادة للسخرية، وكأن الجفاء طبيعة ثانية للإنسان، وهذا الانطباع لم يتولد لديها فقط من تندر الأصدقاء على واقعة لب البطيخ، لكنه انطباع عام تكّون لديها من تعطُل حاسة الحب في المجتمع. ماذا ؟ هل توجد حاسة جديدة تسمى حاسة الحب؟ نعم هي تظن ذلك، وتشعر أن هذه الحاسة لا تقل أهمية عن باقي الحواس الأخرى، هذا إن لم تكن أهمها على الإطلاق، فالرؤية تلزمها حاسة إبصار، واللذة تلزمها حاسة تذوق و... الإنسانية تلزمها حاسة حب، بل إن بين الحب والإنسانية علاقة تواقف فإما يحضران معا أو يغيب كلاهما. تحمد الله حمدا كثيرا أنها في كل ما تفعل لا تتوقف عن تنشيط هذه الحاسة واستدرارها، في العمل.. في الصداقة.. في البيع والشراء.. في كل شيء. تضحك في سرّها وهي تذكر كيف أسلمها انحيازها المطلق للحب إلى هلاوس كادت توردها مورد الجنون. تتسمّر أمام فيلم دعاء الكروان وتتوحد معه، حتى إذا أتى مشهد الختام وكاد الخال ينفذ جريمته انقضّت عليه في لمح البصر ونزعت منه سلاحه لينجو الباشمهندس ويتزوج آمنة ويعيشا في تبات ونبات. لماذا يقسو بعض الكّتاب علي أبطالهم؟ و ما بالهم يلّوعون أحبّتهم بدعوى الواقعية؟ يا مثبت العقل والدين! همس زوجها في أذنها بكلمة فخضبّت حناء قانية وجهها لثوان، أحست بنظرات مَن حولها تلسعها وتستقصي سرهما، لكن هيهات فسرُهُ معها هو سرهُ معها.

***
همّت المضيفة أن ترفع الفاكهة استعدادا لتقديم بعض المشروبات الخفيفة فاستمهلتها صاحبتنا، ربتت على كتف زوجها برفق مشيرة إلى قطعة بطيخ مغرية تقف وحيدة في الطبق الكريستال الذي يتوسط المائدة، وسألته: أجيبها لك يا حبيبي ؟ هز رأسه نافيا وأحاط ظهرها بذراعه فتوسدته متكاسلة وعادت به إلى الوراء، ثم غابت عن الجميع.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات