حديث الكِشك - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 17 نوفمبر 2019 8:49 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

حديث الكِشك

نشر فى : السبت 4 مارس 2017 - 11:50 م | آخر تحديث : السبت 4 مارس 2017 - 11:50 م
أكلة كشك صعيدى بالبيض قد تعنى الكثير، خاصة إذا كانت الأولى من نوعها التى تجمع مسيحيين على مأدبة فى بيت مسلمين، على الرغم من أنهم ولدوا فى القرية ذاتها التابعة لمركز ملوى بالمنيا. أعمار معظم من تراصوا حول الطاولة الخشبية القريبة من الأرض لا تتجاوز الثلاثين عاما، قضوها فى قرية البرشة على بعد عشرين كيلومترا من الدير الشهير المعروف بالاسم نفسه، إلا أنهم لم يتشاركوا الطعام يوما. البنات يتهامسن حول دعوتهن لدخول بيت مسلم لأول مرة، على شرف وجود ضيوف من القاهرة. يقارن بين طريقة تحضير الكشك، من عائلة لأخرى: «نحن نزيد السمن قليلا، نحبه أكثر طراوة»!، ثم تشرح إحداهن للقادمين من العاصمة المراحل المعقدة لصنع كرات الكشك الصعيدى من القمح البلدى و«الحادق» أو ما يشبه اللبن الرايب. وبعدها تشيد بطعم الجبن الأبيض الضانى الذى تشتهر به مدينة ملوى وما حولها، فقد اشتاقت لنكهة هذا الجبن حديث الصنع، إذ يفضل والدها النوع الأقدم الذى يخزن لأشهر طويلة، وبالتالى هو عادة ما يأكلونه فى منزلهم.

حديث الجبن والبيض والكشك، على الرغم من تلقائيته وهدوئه وخفة الدم التى تتخلله، يفيض بمرارة الطائفية التى قد لا نتخيل وطأتها عن بعد، مهما قرأنا عنها فى الصحف.

***

تخيفنى فكرة القرية الصغيرة التى يقسمها وجود الجامع والكنيسة إلى نصفين متعادلين، كل أصحاب ديانة يسكنون بالقرب من محل عبادتهم ولا يختلطون اجتماعيا ولا يتزاملون فى المدارس. صورة تشبه بيروت الشرقية والغربية، مع الفارق، فى ظل تركز المسيحيين فى ناحية والمسلمين فى ناحية، وما بينهما خط التماس. وهو خط غير مرسوم على الأرض، لكنه واضح فى ذهن أبناء القرية، ويمكنهم تحديده خلال جولة سريعة على الأقدام. ولكن ما يطمئنهم حتى الآن هو التوازن الديموجرافى، فعدد سكان كل فريق يقارب الخمسين فى المائة، الخوف سيحل إذا اختل ميزان القوى، كما يقولون، وهم أدرى بتركيبة مجتمعهم الجنوبى الذى يسوده الثأر والعصبيات. وهم أدرى أيضا بفكرة جغرافيا الطائفية والتهجير، جغرافيا التقسيم، تلك الخطوط الفاصلة التى تؤصل للانقسام، عندما ترفض الآخر ولا تقبل مجاورته وتضرب مفاهيم المواطنة والانتماء فى مقتل. هذا واقع بالفعل فى دول أخرى مجاورة، ونحن نظل ندفن رءوسنا فى الرمال ونكتفى بخطاب ردود الفعل الذى يطرح فى أعقاب بعض وقائع العنف الطائفى أو اللفظى. ويستمر المحللون فى ترديد نظرياتهم حول النسيج السكانى المختلط لمصر، فى حين أن ذلك الأمر يتغير وقد تغير خلال السنوات العشر الأخيرة بشكل ملحوظ، ولا يتسع المجال هنا لتناوله بالتفصيل، لأن الموضوع يحتاج إلى دراسات اجتماعية وسياسية أعمق بكثير مما هو حاصل، ولن يحل من خلال مؤتمرات الحوار الدينى التى تقام فى القاعات المغلقة فى حضور رجال الدين من الجانبين، وبعضهم ضالع فى المشكلة وغير قادر على تطوير قناعاته.

نحتاج إلى من يمتلك من العلم والدراسة لكى يفسر لنا لماذا يتاجر ابن القرية المسلم مع المسيحى، ويعمل معه إذا لزم الأمر، لكن يرفض أن يأكل معه أو يعيش معه؟ نحتاج إلى من يحقق ميدانيا ويشرح لنا من وراء التقسيم والتهجير فى القرى والنجوع المصرية على مر السنوات؟ بعيدا عن الكتابات الخفيفة فى الجرائد التى تنشر إثر حادث أليم وقع هنا أو هناك، وبعيدا عن رغبة جماعات الإسلام السياسى والعنف فى إحراج الدولة وإظهارها بمظهر العاجز عن الدفاع عن الأقليات، كما هو واقع حاليا فى سيناء.

***

يروى أبناء البرشة أنه قبل سنوات كانت البيوت أكثر تداخلا، وكانت المدرسة الإعدادية مشتركة بين المسلمين والمسيحيين، لكن أصبح لكل طرف مدرسته، وبالتالى لم يعد هناك احتكاك فيما بينهم إلا فى المدرسة الثانوية بنزلة البرشة على بعد 15 كم. ونظرا للمستوى الاقتصادى والتعليمى لأهل القرية، فمعظمهم لا يلتحقون بالثانوى العام ويكتفون بالدبلوم أو التعليم الفنى، أى أنهم لا يتفاعلون عن قرب ولا يراكمون ذكريات وتجارب مشتركة، إلا بعض من يشذ عن القاعدة. كل هذه المعانى، إضافة إلى حلم الرحيل الذى يداعب خيال معظم أبناء القرية، يحاوطك خلال زيارة قصيرة وفسحة على النيل وهم يصفرون باستخدام عيدان الخبيزة ودردشة بسيطة حول طبق كشك وقطع من الجبن الضانى.
التعليقات