عودة اللاجئين «لا تُغرق» «إسرائيل» - يوسف الحسن - بوابة الشروق
الأربعاء 16 يونيو 2021 8:12 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

عودة اللاجئين «لا تُغرق» «إسرائيل»

نشر فى : الثلاثاء 4 مارس 2014 - 6:00 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 4 مارس 2014 - 6:00 ص

إن جذور الفلسطينيين فى فلسطين، أقدم من جذور البريطانيين فى بريطانيا، وأقدم كثيرا من جذور الأمريكيين فى أمريكا.

تفكيك أطروحة الرئيس محمود عباس، تستحق العناء، والتدقيق فى قصورها الذاتى وخلل بنيتها المعرفية، فضلا على أن السكوت حيالها، يجعلها مقولة رائجة رغم عدم استقامتها وطنيا وأخلاقيا وسياسيا وقانونيا ومشروعية.

فى حديثه قبل أيام، أمام عدد من الطلبة «الإسرائيليين»، قال محمود عباس: «أنا لا أعمل على إغراق «إسرائيل» بملايين اللاجئين، لتغيير طبيعتها، الدعاية «الإسرائيلية» هى التى تقول ذلك، لم يحصل هذا الكلام إطلاقا، كل الذى قلناه: تعالوا نضع ملف اللاجئين على الطاولة، ونحله بالتوافق بوساطة الحلول الخلاقة».. انتهى النص.

ما معنى «لا نريد» إعادة خمسة ملايين لاجئ فلسطينى إلى ديارهم وبيوتهم وأملاكهم الخاصة؟ وهل صحيح أن إعادة هذه الملايين ستتسبب بإغراق «إسرائيل»؟

•••

لا نناقش هنا مسألة حق العودة وهو حق تاريخى وشرعى وقانونى ثابت ولا يسقط بالتقادم لأنه حق شخصى نابع من حرمة الملكية الخاصة للاجئ، وبالتالى هو حق غير قابل للتصرف مثله مثل حقوق الإنسان لا يخضع للتفاوض ولا للتنازل ولا يسقط ولا يُعدَّل.

لا نناقش هنا عودة اللاجئ التى لا تتم إلا إلى نفس المكان والقرية والمدينة التى طرد منها أو غادرها لأى سبب، هو أو أبواه أو أجداده، ولا تعتبر عودة اللاجئ إلى مكان آخر فى فلسطين أو الضفة الغربية هى عودة، ففى فلسطين 1948 يوجد من الفلسطينيين المليون ونصف المليون شخص، نحو ربع مليون لاجئ يعيش بعضهم على بعد كيلو متر واحد من بيته الأصلى المحتل.

لا نستحضر هنا حق العودة المكفول بالقرار الأممى رقم 194 ويشمل العودة والتعويض معا، وهو القرار الذى أكد عليه المجتمع الدولى أكثر من 140 مرة حتى الآن، وأنشأ من أجل اللاجئين مؤسسة دولية لإغاثتهم (الأونروا) وشكل (لجنة التوفيق الدولية) لتسهيل عودتهم وإعادة تأهيلهم، وكذلك معاهدة جنيف الرابعة لعام 1949 التى تقضى على أن أى اتفاق بين القوة المحتلة، والشعب المحتل أو ممثليه، باطل قانونيا إذا أسقط حقوق الشعب المحتل.

نكتفى بالقول، إن جذور الفلسطينيين فى فلسطين، أقدم من جذور البريطانيين فى بريطانيا، وأقدم كثيرا من جذور الأمريكيين فى أمريكا، وإن «إسرائيل» هى الدولة الوحيدة فى تاريخ الأمم المتحدة، التى قُبلت عضويتها بشرطين، أحدهما قبول القرار 194 الخاص بعودة اللاجئين.

السؤال المنطقى، بعيدا عن الحقوق والقانون والأخلاق، هو: هل فعلا، ستغرق «إسرائيل»، لو عاد إليها، أى إلى فلسطين التى احتلتها فى عام 1948 ووسعت رقعة احتلالها فى عام 1949 الملايين الخمسة من اللاجئين؟

الإجابة، المدعومة بالدراسات والخرائط والأرقام، تقول لا، لن تغرق «إسرائيل».. وإليكم التفاصيل:

(1) 80 فى المئة من يهود «إسرائيل»، يعيشون فقط فى 15 فى المئة من مساحة «إسرائيل» الحالية، أما الباقون من اليهود (نسبة 20 فى المئة) فيعيشون فى مدن وقرى فلسطينية، من بينهم 2 فى المئة يعيشون على أراضى اللاجئين، والتى تبلغ مساحتها نحو 85 فى المئة من مساحة «إسرائيل».

(2) إن أكثر من 90 فى المئة من مواقع القرى الفلسطينية قد تم تدميرها، وما زالت خالية إلى اليوم، حيث إن معظم العمران «الإسرائيلى» قد قام على الأراضى اليهودية التى كان يملكها يهود عند نهاية الانتداب البريطانى، والتى لا تزيد مساحتها على 6 فى المئة من مساحة فلسطين، إضافة إلى نحو 3 فى المئة من مواقع القرى الفلسطينية وبخاصة تلك القرى المحيطة بتل أبيب وغربى القدس.

(3) هناك نحو 530 مدينة وقرية فلسطينية، إضافة إلى أكثر من 600 قرية صغيرة تم احتلالها ودمرت «إسرائيل» نحو 90 فى المئة منها، وما زالت أطلال هذه القرى واضحة وخالية تماما من العمران حتى يومنا هذا.

(4) هناك نحو 30 فى المئة من اللاجئين يعيشون فى أراضى السلطة الفلسطينية والباقى يعيش فى المنافى والمخيمات فى خارج فلسطين، ولهؤلاء الحق فى العودة إلى بيوتهم وأملاكهم الخاصة.

(5) إن مشروع لمّ الشمل، الذى تتحدث عنه أوساط «إسرائيلية» وأمريكية، هو ليس حق العودة غير القابل للتصرف وأية أخطاء فى تشخيص مسألة عودة اللاجئين هى خطايا كارثية ومن دون حق العودة تحصل «إسرائيل» على صك الملكية الخالصة لأرض فلسطين، مُوقّع عليه من أهلها وأمام شهود، ويعطى بالتالى شرعية لعملية التطهير العرقى للشعب الفلسطينى.

والخلاصة إن العودة ممكنة وعلى مراحل بدءا من قرى الجليل وقرى الوسط والجنوب وصولا إلى مدن فلسطين الساحلية والداخلية من دون أن تغرق «إسرائيل» ــ هذا إذا أرادت سلاما دائما وشاملا.

قد يقول قائل إن «إسرائيل» اليوم تعيش أفضل حال منذ إنشائها حيث الدول العربية من حولها تتآكل، والجيوش مبعثرة أو غارقة فى الدم والاحتراب الداخلى والعزوف العربى عن القضية الفلسطينية سيطول، تحت وقع اضطراب المحيط والإقليم، ولا وجود لاستراتيجية تحرير فلسطينية، ولا حتى تكتيكات فى الأفق وتحولت السلطة الوطنية ومنظمة التحرير وحكام غزة إلى مجرد جهاز توظيف وامتصاص للإحباط العام ولم يبق سوى الفراغ وانسداد الأفق وغياب الرؤية الاستراتيجية، لكن كل ذلك لا يبرر إسقاط حق العودة.

المرحوم عرفات أقام «دولة بلا أرض» فى عام 1988 وفى أوسلو انقلبت الآية فصارت «أرض بلا دولة»، ويخشى إذا استمر هذا المسار أن نصل إلى «لا دولة ولا أرض».

على الأقل.. ينبغى ألا يسقط حق العودة.. وهو حق ممكن من دون إغراق «إسرائيل».

يوسف الحسن  مفكر عربي من الإمارات
التعليقات