«A HERO».. معركة فرهادي الأخلاقية على الشاشة - خالد محمود - بوابة الشروق
الثلاثاء 17 مايو 2022 3:17 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. ما هو أفضل مسلسل دراما رمضاني في الموسم الحالي؟








«A HERO».. معركة فرهادي الأخلاقية على الشاشة

نشر فى : الثلاثاء 4 يناير 2022 - 9:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 5 يناير 2022 - 10:54 ص
يتمتع المخرج الإيرانى أصغر فرهادى بقدرة رائعة على كتابة وتصوير قصصه، أسلوب سينمائى دقيق ومحكم يجعله مختلفا عن صانعى الأفلام الآخرين، ولهذا هو دائما فى قلب المنافسة، وربما يفاجئنا بالأوسكار الثالث.
قدم لنا فرهادى بشكل مؤثر مواضيع الحب والفساد والتضحية والتسامح، وفى فيلميه «انفصال» و«البائع» مثال كبير على أنه حقا يصنع تحفا تحفز الفكر واحدة تلو الأخرى على الشاشة، ويجىء فيلمه الأحدث والميلودراما الأخلاقية «البطل» A Hero، كعمل متعدد الطبقات عن الإنسانية؛ يستكشف موضوعات تعلم الحقيقة عن تصرفات الذات وحكم المجتمع، ويقود فرهادى المشاهد تدريجيا نحو التفكير فى واجب الفرد وظروف المجتمع الإيرانى بين الحرية والأسر.
شخصيتنا الرئيسية «رحيم» الذى يجسده أمير جديدى، يواجه السجن بسبب عجزه عن سداد دين لزوج أخته السابق بهرام (محسن تانابنده)، يسمح له بالخروج لمدة 48 ساعة يحصل خلالها على فرصة لتسوية ديونه ويحاول إقناع دائنه بسحب شكواه بدفع جزء من المبلغ.. لكن الأمور لا تسير كما هو مخطط لها.
بعد مغادرته السجن، يلتقى رحيم بصديقته، فرخندة (سحر جولدست)، التى تعثر على حقيبة يد نسائية مفقودة فى الشارع تحتوى على 17 قطعة نقدية ذهبية، ربما تساعده على سداد الأموال وإسقاط التهم.. الأمر الذى يدفع رحيم إلى منعطف أخلاقى، ينجذب للحظة لموافقتها، لكنه قرر فى النهاية إعادة الحقيبة إلى صاحبتها، فيتحول بين عشية وضحاها إلى بطل.
فى تلك اللحظة، يدخلنا السيناريو وسط سيل من الأحداث غير المتوقعة، يشجع مأمور السجن رحيم بشدة على الظهور على شاشة التلفزيون، ويدرك أن الفعل النبيل المفترض هو بالضبط نوع الدعاية التى يحتاجها السجن لتحويل الانتباه عن حادث مأسوى بالإضافة إلى أن جمعية خيرية محلية قررت بدء حملة لجمع التبرعات لتغطية ديون الرجل الذى يريد عودة الحقيبة المفقودة لصاحبتها؛ يصبح رحيم من المشاهير المحليين حتى يتم تحويل كذبة بيضاء صغيرة إلى حقيقة مجتمع تتحكم فيه وسائل التواصل الاجتماعى غالبا فى حياة المرء، ينقلب عالمه كله رأسا على عقب.
بمجرد إلقاء رحيم تحت الأضواء والترحيب به باعتباره منارة للنكران الذاتى والاستقامة، تبدأ الأمور فى الانهيار، الشائعات والشكوك تنتشر كالنار فى الهشيم، فلمن هذه الحقيبة حقا؟ وهل قصد رحيم فى يوم من الأيام إعادتها؟ هل القصة كلها تستر؟ هل هو بطل أم محتال؟
نتساءل عن أسباب سلوك رحيم وفرخندة وتميل علاقتهما إلى صدام الموقف؛ بينما يريد رحيم فعل الخير من خلال إعادة حقيبة اليد، تتخذ فرخندة موقفا غير أخلاقى، حيث تريد استخدام العملات التى تم العثور عليها.
مشاهد المناقشة الجماعية هى السمة المميزة للمخرج وكاتب السيناريو، الأحاديث الجارية تتحول إلى مشاجرات وأسف ومظالم، هم أيضا غارقون فى الألم والمرارة، ونحن كمشاهدين نزداد توترا بتعقيد ساحة المعركة الأخلاقية التى نعيشها.
على الرغم من أن رحيم هو بطل الرواية، إلا أن هناك شخصية أخرى تلفت الانتباه فى قلب دراما الفيلم، إنه ابن رحيم، بطل صامت، فتى يعانى من إعاقة فى النطق وينقصه الثقة للتنمر فى المدرسة، لا تظهر شخصية الفتى الصغير فى الفيلم فى كثير من الأحيان، لكن شخصيته وأفعاله ستحاول خداع رأى المشاهد: لمن يقف؟ فى صف رحيم أم مدير السجن؟
يغوص المخرج الايرانى بالصورة التى يصنعها فى أذهان شخصياته ويحلل دوافعهم بدقة، خاصة فى انتقاد السلطات التى يجب أن يتم ترميزها بعناية، وهى استراتيجية اعتمدت عليها دراما فرهادى، يتنقل بسهولة بين شوارع المدينة المتربة والشقق الصغيرة وغرف السجون، مما يخلق شعورا بالخوف من الأماكن المغلقة فى بعض الأحيان ليثبت «البطل» أنه لا يمكن لأحد تصوير دراما معاصرة بنفس جودة أصغر فرهادى، وبينما يتبرع المجتمع بالمال له ولابنه. ولكن عندما يتم طرح المزيد والمزيد من الأسئلة، يدرك رحيم أن الحفرة التى وضع فيها نفسه أعمق مما كان يعتقد.
إن تصوير جوهر الأسرة هو نقطة قوة حقيقية هنا، ترحب أخت رحيم وزوجها به فى منزلهما، حيث يقيم ابنه، يحتفلون بعودته ويسعدون بسماع خبر حبه الجديد، يمكن للمرء أن يشعر بالرغبة فى التحلى بالصبر وسط الإحباط المتزايد، والتسلسل الذى يحاكى بشكل مناسب اختناق منازل العائلة الكبيرة.. يستمر هذا مع بدء استجواب رحيم حول نواياه.. لا يستطيع التأقلم مع الحياة فى الخارج وحريته على المحك.
البطل هى قصة ذكية ومدروسة عن الأخلاق واليأس لإثبات الذات للعالم، تكمن قوة الفيلم بالطبع فى سيناريو مكتوب بشكل محكم من حيث النص والتفسير والعرض، يقودنا تدريجيا إلى المأزق الأخير الذى تجد فيه شخصية رحيم نفسها تعزز حتمية أخلاقيات القصة، وتجعلنا نتخذ مقياسا لأى عمل بطولى أو يتم تحديده على هذا النحو.
إنه تناوب التعاطف الذى ينتج عن تحولات غير محسوسة تقريبا فى تركيز فرهادى فى مشهد معين ــ مثل المشهد الذى يصادف فيه رحيم بهرام بمصادفة فى سوق فى الهواء الطلق. فى مثل هذه اللحظات، يكشف الفيلم أنه أكثر من مجرد حكاية سياسية حول المظالم المتتالية لسجن المدين.. إنه أيضا فحص توضيحى للطريقة التى يؤدى بها تربيتنا للأبطال على قواعد وسائل التواصل الاجتماعى مرورا بالحقيقة الفوضوية التى لا يمكن اختراقها فى بعض الأحيان عن حياة البشر.
ربما يكون أحد المشاهد الأكثر إثارة فى الفيلم هو أحد مراقبى السجن وهو يغذى سطورا من شهادة غير صحيحة تماما لطفل رحيم الصغير، الذى يكافح بشجاعة لتجاوز بضع جمل يتم تسجيلها على الكاميرا لتحسين صورة والده.
من الواضح أن كاميرا فرهادى يجب أن تنظر غالبا إلى الأطفال فى خضم جدالات رحيم الأكثر سخونة مع العائلة والأعداء، فى تلميح إلى الطريقة التى سيتعين على الأجيال القادمة التعامل مع مآزق مماثلة لإنقاذ رحيم من مذبحة على وسائل التواصل الاجتماعى، أنه سيقدم اعتذارا رائعا على YouTube. إنها ذروة الفيلم، وتترك رحيم فى مواجهة معضلة أخيرة تحدد الشخصية، فلا شىء مجانى فى هذا العالم كما تعبر إحدى الشخصيات وسط تساؤل: «ما الفرق بين فعل الخير وعدم القيام بعمل سيئ؟».
جاء إيقاع الفيلم جيدا جدا، رغم طول مدة العرض، وقدم الممثل أمير الجديدى أداء استثنائيا مفعما بالحيوية فى شخصية رحيم وتحولها، فقد تحول من لحظة الخلاص إلى حالة من الفوضى.. كيف يتكئ عليها، ويدفع ضدها، ويحاول إخراج نفسه من دوامة القرارات السيئة، فمنذ الوهلة الأولى لخروجه من السجن بابتسامة واسعة العينين مليئة بالأمل والتفاؤل والرقة قبل أن يعيش توترا متصاعدا لتأثيرات ممزقة، وكذلك فى تعامله مع صعود رحيم الزئبقى إلى النجومية باعتباره رمزا مجازيا لمجتمع بأسره وبوصلة أخلاقية متغيرة الشكل، فإنه ليس صورة لبطل غير متوقع يرسمها فرهادى، بل صورة لدولة بأكملها تحاول إنقاذ وجهها، ولا ننسى قول صهره له: «جعلوك تظهر هذا البلد كأنه الفردوس».
كما لعبت سحر جولدست دور فرخوندة المرأة العصرية القوية، والتى تأمل أن يتزوجها رحيم بمجرد أن يتمكن من سداد ديونه والعودة إلى العمل.
«لدينا انطباع خاطئ عن الحياة.. نعتقد أن الأحداث الكبيرة جدا فى حياتنا هى عواقب لمعضلات ضخمة أو قرارات كبرى، إذا انتبهنا، فسوف ندرك أن الحوادث الحاسمة فى حياتنا هى أشياء عادية».
هذه هى الفكرة الأكبر التى يطرحها المخرج الإيرانى «اصغر فرهادى» فى فيلمه الحاصل على السعفة الذهبية لمهرجان كان، والذي عرض بمهرجان البحر الأحمر، واحد أفضل أفلام العام بمفرداته الفنية العالية وبقصته المقنعة وبحبكته التى تنكشف تدريجيا بتفاصيلها المميزة التى تنطوى على مغامرات معقدة ومتناقضة تتعلق بالأخلاق.. قصة معقدة بشكل متزايد من أنصاف الحقائق والأكاذيب التى تأكل كل أولئك الذين يتاجرون بها، أى الجميع..
وهو يقول: «من وقت لآخر فى الأخبار فى إيران تحصل على قصص عن أشخاص عاديين جدا فى حياتهم اليومية يفعلون شيئا من الإيثار. وتلك الطريقة الإنسانية فى جعلهم ملحوظين جدا فى المجتمع لبضعة أيام، ثم يتم نسيانهم. قصة صعود وسقوط هذه الأنواع من الناس كانت حقا ما أثار اهتمامى».
خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات