حصوة ملح - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 17 نوفمبر 2019 7:04 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

حصوة ملح

نشر فى : الأحد 4 يناير 2015 - 8:35 ص | آخر تحديث : الأحد 4 يناير 2015 - 12:06 م

الضوء خافت فلا يؤذى العين، لكنه يكفى لإنارة الغرفة الصغيرة بشكل شاعرى. المصباح صنع من كتل الملح، والجدار أيضا، فالبيت بُنىََ على الطراز السيوى التقليدى أى بالطين المخلوط بالملح والقش فيما يُعرف بالكارشيف، الذى يكيف الهواء بشكل طبيعى ويقى من حر الصيف. العديد من السكان عرفوا أهمية البناء التقليدى مع مجىء بعض المستثمرين السياحيين إلى سيوة واستخدامهم المواد المحلية فى التصميمات الخارجية والديكور.. وجد السيويون أن ذلك يدر رزقا وفيرا على الواحة وأن السائحين يحبون هذا النمط من المعيشة، فأقبل بعضهم من جديد على «الكارشيف»، ليجنوا بركة الملح التى على ما يبدو اختلطت بكل شىء فى الواحة.

عامة فى ثقافتنا الشعبية، للملح مدلولات تكتسى بطابع القداسة، فهو يتحول أحيانا لرمز التخلص من الشر والحسد والطاقة السلبية فى مكان، لذا كانت تضعه العجائز فى صرر صغيرة فى أركان البيت، أو ترشه «أم المطاهر» سبع مرات على طفلها لتقيه من العين أو ينثره الأهل على زفة العروسين وقد امتزج بالورود والعملات المعدنية.. كل ذلك لاعتقاد بأن الملح له قوة خارقة فى دفع «العين» أو محاربة «الجن».

•••

أستيقظ على رائحة البخور التى انطلقت من إناء صغير صنعته السيدات من الفخار، وهنا أيضا يختلط الطين بالملح الذى ينثر فوق البخور ــ داخل الإناء ــ ليزيد من اشتعاله ويطرد الأرواح الشريرة. الغرفة تطل على «شالى»، المدينة القديمة بالواحة التى ظلت مأهولة بالسكان إلى العام 1926، عندما تعرضت لزخة مطر استثنائية استمرت ثلاثة أيام متواصلة، ما نتج عنه ذوبان المنازل التى بنيت من مادة الكارشيف أو «الطين المالح» إذا صح تسميته هكذا. وحده يظل مسجد السنوسية واقفا، من بعيد، كأحد آثار هذه المدينة القديمة التى يرجع تاريخها إلى القرن الثالث عشر، والتى لم تتوسع فى البناء بالطوب الأبيض، إلا بعد أن زارها الرئيس السادات فى منتصف السبعينات، ثم افتتاح الطريق الأسفلتى الذى ربطها بالساحل الشمالى سنة 1984. قبلها كانت الواحة تعيش إلى حد كبير فى عزلتها.. لم يكن ما يورث هو البيت الطينى الذى قد يتهدم أو يذوب فى أى وقت، لكن الجنينة.. بستان النخيل وأشجار الزيتون.

•••

تُغمر ثمار الزيتون بالملح والماء والخل لمدة ثلاثين يوما فيكون مخلل الزيتون الذى لا يخلو منه الإفطار السيوى، وهو يوضع على طاولة الزوار جنبا إلى جنب مع الكريب أو «الأمريكان بانكيك» الذى أتقنه معظم أهل الواحة بسبب وصفة سائح فرنسى أو أمريكى، إذ اختلفت الرواية حول جنسية «قائد عملية الكريب». غالبا كان ذلك بعد أن انتشرت موضة «الإيكولودج» أو الفنادق الصديقة للبيئة، وبعد أن أصدرت محافظة مرسى مطروح قرارا عام 2002 بضرورة الحفاظ على شكل الواجهات التقليدية للبيوت، فقد تنبه السكان بدورهم إلى فكرة التقليدية «المصطنعة» فى أحيان كثيرة، وأرادوا هم أيضا أن يلحقوا بالركب، حتى لو لم يتبق سوى بضعة بنائين يعرفون سر الكارشيف، وخاصة طول البال... فهو يصنع الحائط ويتركه يجف، ثم يعاود الشغل...

•••

الأهالى لم يعرفوا الملاحات إلا لتخليل الزيتون، وظلوا هكذا لسنوات طويلة، لكن فى عام 2011 حدث ما حدث... واكتشفوا بمحض المصادفة أن الأربع بحيرات الرئيسية فى سيوة (بحيرة الزيتون فى الشرق، وبحيرة أغورمى فى الشمال الشرقى، وبحيرة سيوة غرب مدينة شالى، وبحيرة المراقى فى الغرب) غنية بأطنان من الملح الجاهز للاستخراج. حوالى 60 مليون طن من الملح البلورى الخالى من الشوائب، تتهافت عليه الدول الأوروبية ليس فقط لقدرته على إذابة الثلوج من الطرقات والمطارات، بل لأنه يحتوى على حوالى 1500 عنصر يدخل فى صناعات عديدة منها الصابون، وتكرير الزيوت، والغزل والنسيج، والزجاج، والبارود، ووقود الصواريخ... خزائن الملح تغطى أكثر من ستة آلاف فدان وتوجد على مسافة 50 سنتيمترا من سطح الأرض، وهو من النوع المتجدد أى لو تم استخراج طن ملح فخلال عام واحد سيتكون طن ملح جديد فى المكان ذاته.

بَركة الملح حلت من جديد على الواحة، خاصة وأن السياحة قد تعطلت بسبب الظروف السياسية. لكن لعنة الفوضى وسوء الإدارة تطارد الجميع فى مصر، وقد تجلت بوضوح فى حالة ملح سيوة على مدى السنوات الثلاث الأخيرة. الملح لم ينفع فى مقاومة العفن. هذا الذى تغلغل فى المجتمع، وطل برأسه من كل ركن.

أهالى تتصارع على استخراج الملح، كما لو كانوا من المبشرين بالجنة. أصحاب نفوذ قاموا بشراء الأراضى الواقعة على الحدود الزراعية والتى تقع وسط البحيرات، بعقود وضع يد وأسعار زهيدة. جرافات وآلات حفر وكسارات لغسيل الملح. فتوى الدعوى السلفية بمطروح: «المال مال الله والبشر مستخلفون فيه، وأن المخلوق مهما كان شأنه لا يملك الأرض بالمعنى المطلق للملكية». اشتباكات مسلحة حول أراضى الملح. قرارات وتصريحات متضاربة للمسئولين المتعاقبين. انفلات أمنى. تأخر الموافقات. جهات أو شركات تسعى لنصيب من الغنيمة. منطقة محمية طبيعية. الملح يتغير لونه، بفعل الرياح والشمس والرطوبة، إلى أصفر ثم أسود. لا بيع ولا شراء.

•••

عندما أسترجع كل هذه التفاصيل مع بداية السنة، يرن فى أذنى صوت منادى «واحة الغروب» لبهاء طاهر، وهو يتجول فى الطرقات بين شالى وأغورمى: «الغولة آتية إليكم فاحذروا بئس المصير!»، كل الملح الذى اختلط بالطين لتشييد الجدران، لن يحميكم من اللعنة التى تسرى فى الواحة.

التعليقات