ونحن أيضا فى الانتظار - داليا شمس - بوابة الشروق
الخميس 21 نوفمبر 2019 9:42 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

ونحن أيضا فى الانتظار

نشر فى : السبت 3 ديسمبر 2011 - 8:00 ص | آخر تحديث : السبت 3 ديسمبر 2011 - 8:00 ص

فجأة وأنا أقف ضمن عدد لا متناهٍ من السيدات والفتيات أمام اللجنة الانتخابية تذكرت قصة قصيرة للكاتب الفرنسى مارسيل إيميه بعنوان «فى الانتظار»، يرجع تاريخها لعام 1943.. كان الروائى يتحدث عن معاناة الناس أثناء الحرب العالمية الثانية، من خلال أربعة عشر شخصا يقفون فى الطابور أمام محال للبقالة، فى انتظار الحصول على نصيبهم من السلع الغذائية المقررة لهم بحسب «كوبونات» الصرف التى كانت توزعها الحكومة لترشيد الاستهلاك. وعبر فكرة الانتظار يتغلغل الكاتب لأعماق شخوصه ويروى حكاياتهم فيشعر القارئ وكأنه يعرف هؤلاء وينتظر معهم انتهاء الأزمة بفارغ الصبر ويتفهم كيف تضيق قدرة البشر على احتمال شىء قد يطول أو لا يعرفون له آخر.

 

وجدتنى فى موقف شبيه وإن كان الطابور أطول بكثير، فالحديث المتبادل بين من وقفن فى نظام صارم أمام اللجنة يغرى لوهلة بأن نسلك النهج نفسه فنحكى عن نساء مصر من خلال طابور الانتظار.. عن المنتقبة التى قررت أن ترشح نفسها فوضعوا مكانها وردة أو قاموا بتوزيع ملصقات تحمل صورة زوجها وقد ارتضت أن تكون «عورة»، ومن تقف إلى جانبى بشعرها الذهبى حاملة «تليفونها الذكى» لتبلغ عن أى نوع من المخالفات الانتخابية وتجرس من يقوم بدعاية لمرشح خلال فترة التصويت فتصوره وتبعث بالدليل إلى كل من يهمهم الأمر عبر تويتر وفيس بوك.. وعن الجدة التى اقتربت من الستين لكنها لا تزال توحى لزوجها أنه الآمر الناهى وأنها تأخذ رأيه فى الاعتبار عند اختيار مرشحيها، وبعد أن تختتم مكالمتها معه تصرح ضاحكة أنها قطعا لن تسمع كلامه وستصوت «لحمزاوى لأنها احترمت حبه لبسمة» وعن أخرى أكبر سنا وقد طبعت قبلة على يد طفل صغير جاء مع أهله، قائلة: «أنا هنا من أجلك أنت!».. وعن الشابة المحجبة التى تعمل فى شركة أدوية بمدينة السادس من أكتوبر وقد أخذت إجازة خصيصا لكى تتوجه لصناديق الاقتراع وكيف كانت تذهب سرا إلى التحرير حتى لا تقلق أبويها، وأخرى تم التحرش بها من قبل عناصر الشرطة ففضحتهم من خلال شهاداتها المنتشرة على الإنترنت دون خجل أو مواربة..

 

غرقنا جميعا لساعات فى نشوة الانتظار، رغم أنه عادة قد يسبب القلق والخوف والصداع والضجر والغضب إذ طال، لكن فى هذه المرة كان على قلب معظمنا «أحلى من العسل».. ولذلك ما يفسره فى «سيكولوجية الانتظار»، إذ يهون الوقت أمام قيمة الخدمة التى نحصل عليها فى مقابل انتظارنا.

 

ونظرا لأنه لا مجال حاليا لتحليل الشخصيات النسائية السالف ذكرها بشكل عميق، فقد عرجت على فلسفة الانتظار وما يحتمله من شكوك ومخاوف وآمال قابلة للإجهاض إذا جاءت النتيجة أقل من المتوقع، فالمرأة تحديدا تقدم ما فى وسعها وتنتظر دوما أن يستمع لصوتها، إذ يرتبط لديها الحق فى التعبير عن ما بداخلها ومدى الاحترام التى تحظى به. المعادلة إذا كالآتى: التعبير عن النفس والاستماع لها = احترام.. لذا لم يحدث ما حدث فى السابق بطوابير الخبز والبنزين فسقط القتلى والجرحى، ولم نكن بحاجة لفتوى دينية تقول إن «الأشخاص الذين يسقطون قتلى فى ساحات النضال أثناء وقوفهم فى الطابور هم من الشهداء»، على غرار ما حدث من حوالى ثلاث سنوات خلال أزمة الخبز. بل على العكس تراجع انتاج الخبز نحو 25% وتراجعت الأسعار والحركة الشرائية عموما خلال يومى الانتخابات، بسبب الإقبال على التصويت رغم ضخامة الطوابير. لم نشعر بثقل الوقت بسبب إحساس عام بالونس والراحة، بل وعدالة الانتظار.

التعليقات