قطعة قطعة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 1:44 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


قطعة قطعة

نشر فى : الخميس 3 نوفمبر 2016 - 9:40 م | آخر تحديث : الخميس 3 نوفمبر 2016 - 9:40 م
راحا معا يتسكعان فى شارع الشانزليزيه بعد يوم طويل من التحاليل والفحوص الدورية التى اعتادت عليها منذ عرفت أنها مصابة بداء السرطان. تلك التمشية هى التسلية المعتادة لهما بعد يوم من المعاناة والقلق وحبس الأنفاس للاطمئنان على أن هذا المرض اللعين ذهب إلى غير رجعة. اتكأت على ذراعه تحتمى به وتتدفأ، فلولا هذا الذراع ما صمدت ولا واصلت، فصاحبه وحده هو القادر على أن يمدها بنوع خاص جدا من الشعاع لا يتوفر فى أكبر مراكز علاج السرطان فى العالم، شعاع الذكريات. فى كل مرة كادت تفقد الأمل وترفع الراية البيضاء كان يسلط عليها شعاعا من أيام زمان فيسحبها من عذابات الحاضر إلى ذكريات الماضى الجميل. وحين كانت تخجل منه وقد أذهب المرض عنها رونقها كان يجترئ على مغازلتها كما يجترئ المحب الواثق فى نفسه فيذهب خجلها وتقبل عليه.

***

فى طريقهما الذى يقطعانه ببطء مقصود استوقفتها فاترينة أحد محال الذهب الشهيرة بالشارع فاستمهلته ليتوقف. ها هى إذن مازالت ــ بعد عام من صراع شرس لم تكن تدرى هل تنجو فيه أم تهلك ــ قادرة على أن تنظر لمباهج الحياة باشتهاء. كان البريق المنبعث من خلف زجاج المحل يخطف الأنظار، مال قلبها إلى طقم رقيق من أربع قطع هى عبارة عن سلسلة وقرط وخاتم وسوار من الذهب الأبيض جميعها على شكل زهرة اللوتس المرصعة بأحجار ماسية لا تكاد ترى. الله! قالتها بصوت خفيض وقد تخيلت نفسها فى ثوب أسود ديكولتيه وشعرها معقوص إلى الخلف وهذه السلسلة تزين جيدها وتتدلى منها زهرتها الأحب. انتبهت من شرودها عليه وهو يسحبها بهدوء إلى داخل المحل فقاومت، ألماظ يا محمود؟ ألماظ من الشانزليزيه؟ فى كل مرة كانت تذهب إلى باريس للاطمئنان على صحتها لم تكن تكف عن جلد الذات، ومع أنها بحكم العادة أصبحت تعرف تكلفة بطاقات السفر وحجز الفندق وزيارة الطبيب إلا أنها كانت عشية السفر تمسك بالورقة والقلم وتجمع وتحسب فتدفع من أعصابها ما يوازى ما دفعه محمود وأحيانا يزيد، فهل جنت فى عقلها لتشترى حليا من باريس؟

كان تصميمه أقوى من مقاومتها وليس فى ذلك ما يدهش فدلفا إلى الداخل وجلسا متجاورين أمام البائعة. على قطعة قماش من المخمل الرمادى راحت البائعة تضع بحرص شديد الطقم إياه وتدعوها لارتدائه فأبت، تعلم أن شراءه مستحيل، وتعلم أن بينها وبين السهرات والفساتين السواريه زمنا لا يعلم مداه إلا الله فلم تماشِ البائعة إذن وتنفذ لها ما تريد؟ أخذ محمود زمام المبادرة، استأذن بلغة فرنسية ركيكة فى أن يسحب السلسلة من فوق قطعة المخمل فأذن له أن يفعل، وقف خلفها وأزاح برفق شعرها الخفيف إلى أعلى وطوق عنقها بزهرة اللوتس ثم اتخذ خطوة للخلف وراح يتأمل. قبل أن تستوعب المفاجأة كان محمود يسأل عن إمكانية شراء قطعة واحدة من الطقم وجاءته الإجابة السارة بالإيجاب، التفت إلى حبيبته وأعلنها بقراره: نشترى السلسلة هذه المرة، وفى المرة القادمة إن شاء الله نشترى القرط والخاتم، ثم أخيرا نشترى السوار. قبل أن تنبس بحرف دفع الثمن وقدم لها السلسلة فى علبة سوداء أنيقة.

***

من وقت أن ابتليت بهذا المرض اللعين وقد صارت هشة عاطفيا لأبعد مدى، دموعها قريبة، إحساسها مرهف، تأثرها بسرعة البرق. انساب خيط رفيع من اللؤلؤ على وجنتيها ثم ما لبث أن تعالى صوت نشيجها. هدأها محمود كعادته ومازحها بالقول: هل تبكى من اشترت اليوم هذه السلسلة الباريسية رفيعة الذوق؟ جاهدت ابتسامتها لتجد مكانا على شفتيها.. تكلمت.. تلعثمت.. تهدجت ودعت له كما تفعل فى كل صلاة وقفلا عائدين إلى الفندق.

فى المرة التالية وهما يسيران فى شارع الشانزليزيه بعد ستة أشهر من الزيارة السابقة تمنت ألا يذكر محمود وعده فلم ينس، استوقفها أمام محل المجوهرات إياه وأضاف لها القرط والخاتم. هل أصدقتها البائعة القول حين ادعت أنها كانت واثقة من عودتهما فاحتفظت لهما بباقى قطع الطقم خارج العرض؟ هل تملك البائعة الحق فى أن تفعل؟ هل كانت تجامل لا أكثر؟ الحق أنها لا تعلم علم اليقين إجابة أسئلتها هذه لكن الشىء المؤكد بالنسبة لها أن أحدا لم يشتر القرط والخاتم سواها. فى الزيارة الثالثة وكانت الأخيرة لباريس ــ أو هكذا تمنت ــ فوجئت وهما يقطعان شارع الشانزليزيه بأنها تتساءل بينها وبين نفسها عما إذا كان هناك من اشترى القطعة الأخيرة من الطقم، وفوجئت أكثر بأنها تمنت ألا يكون هناك من فعل، هكذا بعثت فيها نهاية الرحلة أملا فى حياة جديدة حتى إذا نبهها محمود إلى أنهما وصلا إلى محل المجوهرات أقدمت هذه المرة ولم تدبر. حمدا لله أن كان السوار ينتظر.. يبدو لها أن البائعة كانت تعنى فعلا ما تقول.

***

بين كل حليها ــ وبعضها نفيس ــ فإن هذا الطقم صارت له منزلة خاصة لأسباب كثيرة، ففى اقتنائه قطعة قطعة صبر وشوق وأمل وحب كبير بل كبير جدا. ولأنه كذلك قررت بينها وبين نفسها أن تضيف فى وصيتها التى أعدتها قبل سنين بندا جديدا يوصى ابنتها الوحيدة بألا تفرط مهما حصل فى طقم باريس.
نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات