هل يملك المسيحيون ما يقدمونه لوطنهم؟ - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأحد 11 أبريل 2021 11:12 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

هل يملك المسيحيون ما يقدمونه لوطنهم؟

نشر فى : الخميس 3 نوفمبر 2011 - 9:35 ص | آخر تحديث : الخميس 3 نوفمبر 2011 - 9:35 ص

فى واحد من برامج التوك شو المتميزة جدا والذى أحرص على متابعته، قال حلمى النمنم إنه بعد نجاح ثورة 19 خرجت أعداد من فئويين فى تظاهرة ضخمة مطالبين بحقوقهم، فخرج لهم سعد زغلول رئيس الوزراء حينئذ وقائد الثورة وقرأ بعناية شديدة جميع مطالبهم، ثم رفع رأسه قائلا: إن هذه طلبات وظيفية وليست طلبات نهضوية أو ثورية، وتركهم ومضى، أى أن سعد زغلول بعد الثورة كان ينتظر من كل فئة من فئات الشعب لا أن يطالبوا بحقوقهم المنقوصة فعليا لسنين مضت لكن أن يقدموا لوطنهم ما يستطيعون من أفكار ورؤى لأجل نهضة البلاد، وأنا هنا لا أنتقد إطلاقا الطلبات الفئوية لأى فئة ولا الطائفية لأى جماعة دينية، ولا أنتقد الخروج السلمى للمسيحيين معبرين عن الظلم الواقع عليهم.

 

وقد عبرت من قبل أن ما حدث فى ماسبيرو يوم الأحد الدامى هو مهزلة بكل المقاييس، آخر من يتحمل مسئوليتها هم المسيحيون الذين خرجوا مسالمين، لكنى أقول إن المسيحيين لديهم الكثير الذى يمكن تقديمه لوطنهم الحبيب مصر، ويكون أولويتهم المطلقة فبعد ثورة 25 يناير أصبح سقف الطموحات للمصريين مرتفعا أكثر من ذى قبل، بل يمكن القول إنه لم يعد هناك سقف للطموحات، ورغم النكسات التى تمر بها الثورة، ورغم الثورة المضادة، والهبوط الاقتصادى والضبابية من نحو المستقبل إلا أننا نتطلع ومعنا العالم إلى أن نحقق لمصر، دولة ديمقراطية ليبرالية حديثة، وعلى المسيحيين أن يلعبوا دورا فى منتهى الأهمية للوصول إلى مجتمع مثل هذا لا بصفتهم مسيحيين لكن بصفتهم مصريين.

 

●●●

 

 والخطوة الأولى للمساهمة الحقيقية لمسيحيى مصر فى تحقيق ذلك الطموح هو ألا ينظر المسيحيون إلى أنفسهم كأقلية صغيرة تتجاذبها عوامل متباينة كلها فى إجمالها تتسم بالسلبية والاحساس بالنقص ونظرة الأقلية لذاتها بهذه الصورة يجعلها تركز على بعض النقاط التى تزيدها إحباطا فوق إحباط، وتشجعها على الانسحاب من المجتمع فهى تركز على الحقوق المحرومة منها، وتحصى وتعد المواقع التى لا يوجد فيها مسيحيون، وكم من مسيحى حُرم من حقه. وهذا يضخم ويعمق الإحساس لديهم أنه لا فائدة تُرجى من هذا الوطن فى الأجيال القادمة، وعندما ينظر المسيحيون إلى ذواتهم كأقلية يقيمون دورهم فى المجتمع على أنه غير مُجَد أو مؤثر، فمهما قدموا وساهموا، يمكن للمجتمع الكبير أن يستغنى عن خدماتهم، بل إن الحديث عن حقوقهم المهضومة، ودورهم غير الفعال، والذى يتردد كثيرا على الفضائيات المسيحية والإعلام المسيحى يؤصل ويزيد الاحساس لديهم بالاغتراب، ثم إن الاحساس بالأقلية يجعلهم يعانون عقدة الاضطهاد، ويعتبرون أن المجتمع يتخذهم كبش فداء (scape goat) فى أى أزمة وقد تجسدت هذه الفكرة وبقوة بعد أحداث ماسبيرو فقد تردد القول بين المسيحيين لماذا نحن بالذات الذين استخدم الجيش القوة والعنف معنا ؟! ولماذا لم يستخدم الحزم مع السلفيين فى مواقع كثيرة سابقة أو حتى مع مظاهرات واعتصامات فئوية؟

 

إن المطلوب هنا هو التخلص من عقدة الأقلية، واستبدالها بأن المسيحيين جزء لا يتجزأ من المجتمع، ولقد أوصى السيد المسيح أتباعه بالقول «أنتم ملح الأرض»، «أنتم نور العالم» وبالطبع الملح بالنسبة للطعام نسبة لا تذكر بل ومن صفات الملح الذوبان ويعطى طعما للطعام، فوجود المسيحيين فى مجتمع إسلامى يقدم موزاييك رائعا إذا استخدم بالمفهوم الإيجابى بل إن الأكثرية تتمنى ذلك، لأن اللون الواحد لا يصنع لوحة تشكيلية ولا نوعية واحدة من الزهور تصنع ربيعا، إن التكتل وعدم الانتشار هو أكبر عائق أمام الحضور المسيحى فى وسط مجتمع مغاير.

 

ولا شك أن المسيحيين يملكون الكثير الذى يمكن أن يساهموا به للوصول إلى مجتمع ديمقراطى حر عادل، فهناك ما لا يقل عن خمس عشرة قناة فضائية مسيحية وقناتين ثقافيتين كذلك هناك أكثر من ثلاثين مجلة وجريدة ورقية ومواقع الكترونية بلا عدد ودور نشر يصعب حصرها وكذلك هناك أعداد ضخمة من المدارس الخاصة وعدد لا بأس به منها تخدم الطبقات الفقيرة وعلى المستوى الاجتماعى هناك الهيئات والمؤسسات والجمعيات التنموية فى المجال الزراعى وتنمية القرية والاهتمام بالمرأة والأميين... هذا فضلا عن ثلاثة ملايين مهاجر لهم روابطهم فى أمريكا وكندا وأستراليا وأوروبا، ويعتبرون جسرا بين مصر والخارج، ولقد كان لهم موقف رائع ومتميز من المسيحيين الصهاينة.

 

●●●

 

ولا شك أن هذا الكم والكيف إذا استخدم بطريقة صحيحة يمكن ان يدعم مصر وبقوة اذا قام المصريون المسيحيون بما يلى:-

 

أولا: تعضيد مجهودات الدولة لتطوير نوعية التعليم والخدمات الصحية، وتنمية المجتمع والتأمين للمحتاجين.

 

ثانيا: المشاركة فى الصراع والنضال الذى تعانيه الدولة كدولة نامية فى العلوم والتكنولوجيا وفى النظام غير العادل، وعدم الاستقرار السياسى والأزمة الاقتصادية.

 

ثالثا: الالتزام والانتماء إلى رؤيا جديدة للتنمية والتحديث بالحضور الفعال لأجل تحرير الإنسان كاملا وإعطائه حقوقه وكرامته.

 

رابعا: تعضيد القوانين التى تنادى بالمساواة بالحق والعدل، وأن تأخذ الكنيسة دورها فى محاربة الشر المستفحل والفساد العام فمبرر وجود الكنيسة يتوقف على أمرين كما هو منصوص فى اللاهوت المسيحى الأول الدور الكهنوتى والذى فيه تقوم بدورها فى الصلاة والتشفع لأجل العالم والأمر الثانى هو الدور النبوى والذى فيه تمارس دورها كضمير للمجتمع فتشير بكل قوة وعلانية على كل فساد سياسى أو اقتصادى أو اجتماعى سواء كان فرديا أو جماعيا.

 

خامسا: الالتزام والعمل على دراسة وتقوية وتنمية القيم الاخلاقية الحضارية الإيجابية العامة، والتى تسود المجتمع حتى لو لم تتسم بالسمة المسيحية، لتكون هذه الفضائل العامة أساس التنمية فى المجتمع ككل.

سادسا: التأكيد على حقوق المرأة والطفل والشاب لكى يكون لهم حضور على جميع المستويات التعليمية، وفى كل المنظمات الحكومية والأهلية، وبالأولى الكنيسة لكى يأخذوا مسئولياتهم ويساهموا بطريقة فعالة وحرية كاملة.

 

سابعا: تعضيد كل جهد لحماية البيئة العامة المحيطة.

 

ثامنا: العمل بقوة وجهد غير عاديين لتحقيق الوحدة والمشاركة الفعالة لجميع البشر فى القطر كله مهما اختلفت الديانات أو الأجناس أوالتوجهات الحزبية.

 

تاسعا: العمل على أن تكون مصر دولة محايدة دينيا وليست علمانية وذلك لأن معنى العلمانية ــ فى معناه المتشدد ــ رفض الدين،أما الدولة المحايدة فهى التى تقبل جميع الأديان فى ظلها، وتتعامل بأخلاقيات عامة تشمل الجميع ولا تنحاز لدين معين، ذلك لأن الدولة شخصية معنوية لاتقوم بالعبادة والفرائض.

 

عاشرا: تطوير وتعضيد كل الأنشطة الروحية والتعليمية مسيحية كانت أم غير مسيحية يقول الأب متى المسكين «الطائفية كتكتل بشرى امتدادها الوحيد بعد الأسرة ليس مكانه الكنيسة بل الوطن، والوطن وحده يمتص الطائفية، أما الكنيسة فلتبق إلى الأبد مكان انطلاق إلى العالم، إننا فى الكنيسة نتعاهد على أن نموت معا ومع المسيح عن كل إنسان فى العالم مهما كان ذلك الإنسان، أما كنيستى فقد أخفت المسيح «نور العالم» عن العالم بجعله مسيح أقلية، مسيحا منسحبا خائفا منكمشا يتقى الناس، ويتحاشى المظالم، ويهرب من دفع الثمن.

 

●●●

 

وهكذا إذا استطاع المسيحيون أن يعيشوا قضايا مجتمعهم بكل ملئه ويتفاعلون مع مشاكله، يومها لن يخشوا من تطرف دينى أو اضطهاد مدنى، فلقد أصبحوا جزءا لا يتجزأ من المجتمع يرتفعون بارتفاعه ويهبطون بهبوطه، ولن يكون ألمهم سوى ألم الرائد الذى يريد أن يحقق حلمه بتغيير مجتمعه إلى الأفضل روحيا واجتماعيا وسياسيا ،فهل يفعلون؟ 

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات