ورفعنا لك ذكرك - بشير عبد الفتاح - بوابة الشروق
الأربعاء 30 نوفمبر 2022 7:26 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار المجلس الأعلى للإعلام بشأن فحص تجاوزات قناة الزمالك بعد حلقات رئيس النادي؟

ورفعنا لك ذكرك

نشر فى : الإثنين 3 أكتوبر 2022 - 8:45 م | آخر تحديث : الإثنين 3 أكتوبر 2022 - 8:45 م

لنبينا الهادى، محمد صلى الله عليه وسلم، عند ربه، مقام عظيم، لا يحيط بعلمه إلا واهبه، تجلى شأنه. لكنه، تعالى، قد أبان للورى إشارات ودلائل على رفعة ذلك المقام. حيث امتن على نبيه، فأكرمه بجزيل عطائه فى الدنيا والآخرة. ليتراءى للعالمين، جليل قدره، وشرف منزلته، وعلو ذكره صلى الله عليه وسلم. وفى كتابه العزيز، يقول، سبحانه وتعالى، مخاطبا حبيبه، فى الآية الرابعة من سورة الشرح: «وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ».
وعن أبى سعيد الخدرى، رضى الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «أتانِى جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَ رَبِى وَرَبكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ؟ فقال النبى: الله أعْلَمُ. فقال، عز وجل: إذَا ذُكِرْتُ ذُكرتَ مَعِى، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله». أما السعدى، فيفسر الآية بقوله: أعلينا قدرك، وجعلنا لك الثناء الحسن العالى، الذى لم يبلغه مخلوق سواك. إذ جمعنا اسمك بلفظ الجلالة فى كلمة التوحيد. فلا يذكر الله إلا وذكرت معه. كما عند اعتناق الإسلام، وفى الأذان، والإقامة، اللذين يطوفان الأرض، ويدوران مع الأفلاك بغير انقطاع، مدويين فى زهاء أربعة ملايين مسجد، بمشارق الأرض ومغاربها.
ويشير القرطبى، إلى رفع ذكر النبى محمد صلى الله عليه وسلم فى خطبة الجمعة، ويومى الفطر والأضحى، وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند رمى الجمار، وعند الصفا والمروة، وفى خطبة النكاح. ولو أن رجلا عبدالله، جل ثناؤه، وصدق بالجنة والنار وكل شىء، ولم يشهد أن محمدا رسول الله، لم ينتفع من ذلك بشىء. أما قتادة، فيفسر رفع الله ذكر نبيه الخاتم فى الدنيا والآخرة. بأن ليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة، إلا ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فبعد التشهد، الذى هو أحد أركان الصلاة، ولا تتم إلا به، يشرع المصلى فى تلاوة الصلاة الإبراهيمية بما تتضمنه من ذكره صلى الله عليه وسلم. ولقد اختص الإله محمدا بالنبوة، والرسالة، والكلام، والإسراء، والمعراج، حتى صعد مكانا لم يبلغه نبى قبله، ولا أحد بعده. كما فضله مولاه على الرسل والأنبياء كلهم، عند الملائكة فى السماء، وفى الأرض عند المؤمنين. ورفع الله ذكره فى الآخرة، بما يناله من كرائم الدرجات، كالوسيلة، والفضيلة، والدرجة العالية الرفيعة، والمقام المحمود، ثم الشفاعة العظمى يوم القيامة.
يتفق ابن كثير وآخرون على رفع الله ذكر حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم فى الأولين والآخرين. فقد نوه به، حين أخذ الميثاق على جميع النبيين والمرسلين، أن يؤمنوا به، وأن يأمروا أممهم بذلك. فذكره فى الكتب المنزلة على الأنبياء من قبله، وأمرهم بالتبشير به. ولا دين إلا ويظهر دينه عليه. ومن مظاهر تكريم الخالق، تجلت قدرته، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، أن رفع ذكره،حتى قبل أن يخلقه. وقال الرازى: «أعلم أنه عام فى كل ما ذكروه من النبوة، وشهرته فى الأرض والسماوات، وذكره الله فى الكتب السماوية المتقدمة، وانتشر ذكره فى الآفاق، وأنه ختمت به النبوة». ولقد تواترت بذكره الكتب السابقة، حتى قال تعالى، على لسان المسيح عليه السلام، فى الآية السادسة من سورة الصف: «وَمُبَشِرا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ». وقد أخذ الله تعالى الميثاق على النبيين بالإقرار بنبوته صلى الله عليه وسلم قبل ولادته وبعثته. فقال المولى، جل وعلا، فى الآية الواحدة والثمانين من سورة آل عمران: «وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَبِيِيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُصَدِقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَ بِهِ وَلَتَنصُرُنَهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِنَ الشَاهِدِينَ». وقال فى الآية الخامسة والستين من سورة النساء: «فَلَا وَرَبِكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَى يُحَكِمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَ لَا يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجا مِمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِمُوا تَسْلِيما». وفى الآية الحادية والعشرين من سورة الأحزاب: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَهَ كَثِيرا».
قال أنس بن مالك، رضى الله عنه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما فرغت مما أمرنى به ربى من أمر السموات والأرض قلت: يا رب إنه لم يكن نبى قبلى إلا وقد كرمته؛ جعلت إبراهيم خليلا، وموسى كليما، وسخرت لداود الجبال، ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى، فما جَعَلْت لى؟، قال: أوليس قد أعطيتك ظاهرا أفضل من ذلك كله؟ إنى لا أُذكر إلا ذُكرت معى، وجعلت صدور أُمتك أناجيل، يقرأون القرآن ظاهرا ولم أعطها أمة. وأعطيتك كنزا من كنوز عرشى، لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم». وروى معاذ بن جبل، رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لَهُ، حينَ بعثَهُ إلى اليمنِ: «إنَكَ ستأتى أهلَ كتابٍ يسألونُكَ عن مفتاحِ الجنةِ. فقُلْ: هو شهادةُ أنْ لَا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدا رسول الله. ولكنْ مفتاحٌ بلا أسنانٍ. فإنْ جِئْتَ بمفتاحٍ له أسنانٌ فُتِحَ لَكَ، وإلا لمْ يُفْتَحْ لَكَ. وإن أسنان مفتاح الجنة هى عبادات الإسلام وأركانه وشرائعه، فلا ينفعُ توحيدٌ بغير عمل».
جعل الله لنبينا المعصوم صلى الله عليه وسلم فى قلوب أمته من المحبة والإجلال والتعظيم، ما ليس لأحد غيره، بعد الله تعالى. فصار رفيع الشأن، سامى المنزلة، عظيم القدر. حيث فضله الله على سائر الخلق، وجميع الرسل والأنبياء. وربط محبة الإله بمحبته، وجعل طاعته من طاعة ربه. فقال تعالى فى الآية الثانية والستين من سورة التوبة: «وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُ أَن يُرْضُوه». وفى الآية الثالثة عشرة من سورة النساء: «وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ». وفى الآية الرابعة والخمسين من سورة النور: «قُلْ أَطِيعُوا اللَهَ وَأَطِيعُوا الرَسُولَ». وفى الآية الحادية والثلاثين من سورة آل عمران: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم». كأنه تعالى يقول: أملأ العالم من أتباعك، كلهم يثنون عليك، ويصلون عليك، ويحفظون سنتك. فما من صلاة مفروضة، إلا ومعها سنة. فهم يمتثلون لأمرى فى أداء الفريضة، ويتأسون بك عبر إحياء السنة. وجعلت طاعتك طاعتى، وبيعتك بيعتى. فقد جاء فى الآية الثمانين من سورة النساء: «مَنْ يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ». وفى الآية العاشرة من سورة الفتح: «إِنَ الَذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَمَا يُبَايِعُونَ اللَهَ».
وبينما يخاطب الله رسله وأنبياءه، قاطبة، بأسمائهم، يختص محمدا بنداء الرسول والنبى. وقد أورد، ابن عاشور، فى سفره المعنون «التحرير والتنوير»، أن قوله تعالى فى الآية التاسعة عشر من سورة التكوير: «إِنَهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِى قُوَةٍ عِندَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَ أَمِينٍ»، إنما جاء فى وصف نبينا العدنان صلى الله عليه وسلم. وفى إشارة إلى كماله، ورفع ذكره، وعلو درجته، وسمو منزلته عند الله والخلق أجمعين، يقول، عز من قائل، فى الآية السادسة والخمسين من سورة الأحزاب: «إِنَ اللَهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَبِيى يَا أَيُهَا الَذِينَ آمَنُوا صَلُوا عَلَيْهِ وَسَلِمُوا تَسْلِيما». فالله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُونَ عليه، حيث يثنى ربنا عليه بين الملائكة، وفى الملأ الأعلى. وكذلك يفعل الملائكة المقربون. وقد أمرنا، الحق تبارك وتعالى، بالصلاة على نبيه، تكريما لشأنه صلى الله عليه وسلم، وعرفانا بفضله علينا، ورجاء لشفاعته. واقتداء بخالقنا، جل فى علاه، وبملائكته. وتقربا إليه سبحانه، التماسا لعفوه وغفرانه، وابتغاء لمرضاته، وطمعا فى واسع فضله.

التعليقات