الإنهاك والتآكل البطىء.. الجيل الرابع من الحروب - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الجمعة 22 أكتوبر 2021 5:29 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

الإنهاك والتآكل البطىء.. الجيل الرابع من الحروب

نشر فى : الجمعة 3 سبتمبر 2021 - 8:10 م | آخر تحديث : الجمعة 3 سبتمبر 2021 - 8:10 م

هناك سؤال مهم يحاول الكثيرات والكثيرون من المثقفين والسياسيين والمراكز السياسية والاستراتيجية الإجابة عنه هو: كيف نُصَنّف ما يحدث اليوم فى أفغانستان؟! تُرى تحت أى نوعية من الحروب؟! أو القلاقل؟!. لا شك أن ما يحدث فى أفغانستان ليس حربًا تقليدية، فقد انتهت هذه النوعية من المعارك والاقتتال. والجديد اليوم هو ما يُدعى بالجيل الرابع من الحروب. وقواعد الجيل الرابع من الحروب تنص حرفيًا على أنه «ليس الهدف تحطيم المؤسسة العسكرية لإحدى الأمم المعادية، أو تدمير قدرة العدو العسكرية، بل الهدف الأساس هو وضع خطة مُحكمة للإنهاك والتآكل البطىء للعدو بثبات وعمق على المدى الطويل نسبيًا، وذلك بعد دراسته جيدًا من الناحية السياسية والاستراتيجية من جانب ومن الناحية الاقتصادية والاجتماعية من الجانب الآخر، والهدف هو إرغام العدو على الرضوخ»، ويضيف حرفيًا أن «الهدف هو زعزعة الاستقرار..!!» وهذه الزعزعة يُنفذها مواطنون من الدولة المستهدفة (العدو) وبطريقة تبدو وكأنها لصالح دولتهم ولأجل نموها لتلحق بالأمم المتقدمة، وهكذا يباع لهم الوهم فى شعارات: «أقوى قوة ضاربة سماءً وبحرًا وجوًا»، وذلك لخلق الدولة الفاشلة أو تحويل الدولة المستهدفة إلى دولة مشلولة الفكر والتخطيط، وإن أمكن مشلولة الحركة!! ومن هنا يمكن التحكم فيها.. إلخ.

ولكى نفهم الفارق بين الحرب التقليدية من جانب وحرب الجيل الرابع نذكركم بما حدث مع مصر فى حرب تقليدية، يونيو 1967م، والتى كانت نموذجًا للحرب الصادمة والسريعة مما أدى إلى رد فعل محلى وعالمى ضد العدو الصهيونى، وفى مصر عودة الجيش إلى قوته الضاربة مع تعاطف الشعوب مع مصر فى ست سنوات. لكن عمليات الجيل الرابع من الحروب، تبدأ بالإنهاك والتآكل البطىء وتُنَفذ بخطوات وببطء شديد وهدوء، وهو ما يطبق الآن بدقة وحرفية شديدة فى أفغانستان، فالانسحاب المفاجئ مقصود به الفوضى، وهنا سوف يستيقظ عدوك لكنها يقظة الموت (يستيقظ ميتًا).
•••
هذا الجزء – عزيزى القارئ/ عزيزتى القارئة – مأخوذ من محاضرة ماكس ماتوا رينج، الخبير الأمريكى الاستراتيجى العالمى والذى يعمل فى معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية التابع لكلية الحرب الأمريكية، وقد ألقاها ماكس فى إسرائيل فى 1/٢/٢٠١٨م. وقد قيل عن هذه المحاضرة أنها أخطر محاضرة فى التاريخ الحديث؛ حيث توضح كل ما جرى ويجرى وسيجرى فى أفغانستان، بل ويشرح موضحًا بالتفصيل ما يجرى من حروب وصراعات أهلية مسلحة فى العالم العربى والإسلامى الآن..!! وأكثر ما لفت انتباهى بشدة فى هذه المحاضرة هو تعبير «الإنهاك»، والسؤال الذى يتبادر للذهن هو، لماذا لا يتم الانهيار السريع للدولة المستهدفة بدلًا من التآكل الهادئ والبطىء؟! والجواب نجده واضحًا وجليًا فى الجزء الأخطر فى المحاضرة!!. ففى هذا الجزء يوضح ماذا يعنى مصطلح «التآكل البطىء للعدو»، هنا يقول رينج إنه يقصد بالتآكل البطىء عمليات تخريب متعمدة ومتدرجة للمدن، وهنا يتحول الناس إلى قطعان هائمة..!! والنتيجة الحتمية والمتوقعة لذلك هى شل قدرة البلد العدو على تلبية الاحتياجات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأساسية، بل وتحويل نقص هذه الحاجات إلى وجه آخر من وجوه الحرب، وهو برنامج مدروس ومنظم بدقة شديدة؛ فالانسحاب المفاجئ مقصود، والفوضى والزحام فى المطار مقصود، واستخدام طائرات لنقل المواطنين والمواطنات إلى بلاد الغرب مقصود. ففى الغرب الأمان، وفى الشرق والجنوب عدم الأمان والقلق والفوضى الضاربة. وما حدث فى العشرين سنة الأخيرة التى تطورت فيها أفغانستان لم يتبقَ منها سوى قشرة الحضارة؛ فالنساء اللاتى تعلمن والرجال الذين عاشوا الحضارة والذين من المتوقع أن يُستهدفوا من طالبان، هربوا هروبًا مقصودًا ومتعمدًا، من خلال المطار بالطائرات الحربية إلى الخارج، وذلك فى الوقت الذى فيه تُردد حركة طالبان أنهم سوف يَحكمون بتحضر وتفهم لما حدث، لكن تُرى من يُصدق؟!
يقول البروفيسور ماتوا ــ وهو ليس مجرد خبير فى الجيل الرابع من الحروب فحسب بل هو أيضًا ضابط مخابرات سابق وهو لا يلقى محاضرة فى روضة أطفال ولا فى مركز ثقافى لبعض الشباب، بل لجنرالات كبار فى الكيان الصهيونى وحلف الناتو، كما ذكرنا ــ وفى عبارة لافتة فى المحاضرة «فى مثل هذا النوع من الحروب قد تشاهدون أطفالًا قتلى أو كبار السن فلا تنزعجوا..!! علينا المضى مباشرة نحو الهدف»، بمعنى لا تتركوا المشاعر والأحاسيس، وحقوق الإنسان.. إلخ تقف حائلًا أمام هذه المشاهد أو تقف دون تحقيق الهدف الهام لأجل خلق عالم إنسانى متحضر. ولقد طُبق هذا الأسلوب – عزيزى القارئ/ عزيزتى القارئة – فى العراق وسوريا واليمن وليبيا، واليوم فى أفغانستان، وغدًا لا ندرى من سيكون عليه الدور.
مرة أخرى السؤال الأهم: لماذا الإنهاك والتآكل البطىء بدل إسقاط الدولة مرة واحدة؟ والجواب، إن استراتيجية الإنهاك تعنى نقل الحرب من جهة إلى أخرى، ومن أرض إلى أخرى، واستنزاف كل قدرات الدولة العدو وعلى مراحل متباعدة، وجعل الدولة العدو تُقاتل على جبهات متعددة مُحاصرة بضباع محليين من كل الجهات، وفى حالتنا هذه (القاعدة – داعش)، والتخطيط لتسخين جبهة وتهدئة الأخرى، أى استمرار إدارة الأزمة، وليس حلها، ولا مانع من دخول إيران فى اللعبة، وحدودها مع أفغانستان تزيد على ألف كيلومتر، وقصة السنة والشيعة لا تحول عن التعاون، فالظواهرى عاش مع أسرته هناك.
•••
لذلك كان هذا الفكر هو أحد وأهم أسرار انسحاب الجيش الأمريكى المفاجئ، والذى استدعى القاعدة والتفجيرات من ناحية، واستدعى الحركة النسائية التى وقفت على قدميها من الناحية الأخرى، ولكى لا يتم الانسحاب السريع للدولة، لأن الانهيار السريع يُبقى على كثير من مقومات ومؤسسات الدولة والمجتمع.. إلخ وبالتالى فإن أفضل الطرق هو التآكل البطىء، بهدوء وثبات عبر سنوات ومن خلال محاربين محليين وشريرين ــ على حد قول ماتوا ــ بصرف النظر عن وقوع ضحايا أبرياء لأن الهدف هو السيطرة وتقويض الدولة والمجتمع وأهم من كل شىء هو محو الدولة والمجتمع عبر عملية طويلة المدى..!! وهذا تمامًا ما حدث ويحدث فى العراق وسوريا وليبيا.. إلخ. وكانت مصر من أول المستهدفين فى ثورة يناير. ومن المؤسف أن هذا المخطط الذى يعترفون به ويعلنونه هو الذى نراه بأعيننا، ويطبق بأيدينا نحن، تحت شعارات صاخبة من حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية والحرب على الإرهاب.!!
فهل عرفنا الآن لماذا أسلوب استمرار إدارة الأزمة بدلًا من حلها؟! وكيف يخططون ليظل النزاع والخلاف بين فئات الدولة، بل والاقتتال بين الدولة والشعوب من أجل القضاء على مقدرات الشعوب فى منطقتنا وتحويلهم إلى تابعين لا حول لهم ولا قوة؟!

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات