الديمقراطية قبل الحذاء - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الإثنين 23 سبتمبر 2019 2:24 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في اختيار حسام البدري لتدريب المنتخب الوطني الأول لكرة القدم؟

الديمقراطية قبل الحذاء

نشر فى : السبت 3 أغسطس 2019 - 7:45 م | آخر تحديث : السبت 3 أغسطس 2019 - 7:45 م

تحت عنوان «مقاومة الحفاء فى مصر»، كتب المؤرخ الراحل الدكتور يونان لبيب رزق مقالا مطولا فى «الأهرام» عام 2007، أشار فيه إلى أن المصريين قبل ثورة يوليو عام 1952 كانوا شعبا من الحفاة، وأن الفلاح المصرى لم يعرف ارتداء الحذاء إلا عندما تم تجنيده فى الجيش المصرى.
رزق روى كيف تبنى حسين سرى باشا رئيس الوزراء، مشروعا قوميا لمقاومة الحفاء، بعد توليه رئاسة الحكومة، «تعهد فى خطاب العرش بأن يرتدى المصريون النعال فى أقدامهم مثل الدول المتقدمة».
وفى 2 مارس 1941 أعلنت «الأهرام» عن تكوين لجنة مركزية برئاسة عبدالخالق بك حسونة، لوضع الخطط التفصيلية لشكل الحذاء المنتظر، وأطلقوا عليه اسم «الزنوبة».. وتقرر أن يتم توزيع الدفعة الأولى من «الزنوبة» على تلاميذ وزارة المعارف فى يوم عيد جلوس الملك، إلا أن شيئا لم يتحقق مما وعد به سرى باشا، وظل الشعب المصرى يمشى حافيا فى الشوارع.
استمر الحال على ما هو عليه إلى أن أعلن مصطفى النحاس باشا بعد توليه رئاسة الوزراء فى 1950، فى خطاب العرش عن مشروع قومى ضخم لمقاومة الحفاء، وسخرت جريدة «الزمان» لصاحبها إدجار جلاد من هذا المشروع بمقال بعنوان «يا ابن الحافية».
فى الذكرى الـ50 لثورة يوليو صدر عن مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية دراسة مهمة بعنوان «ثورة 23 يوليو 1952 دراسات فى الحقبة الناصرية»، شارك فيها نخبة من الخبراء والمتخصصين.
أوردت الدراسة جانبا من مناقشات المؤتمر الزراعى الثالث الذى انعقد بالقاهرة فى مارس 1949، والتى كشفت «مدى غياب الوعى الاجتماعى عند النخبة الحاكمة باعتبارها ممثلا لمصالح البرجوازية المصرية».
أمام المؤتمر ألقى حامد جودة بك رئيس مجلس النواب السعدى كلمة طالب فيها كبار الملاك بـ«تحسين أحوال عمال الزراعة بإقامة مساكن صحية لهم كتلك التى يعنون بإقامتها لمواشيهم، وأن يهتموا بعلاج الفلاح إذا مرض كما يهتمون بعلاج مواشيهم إذا أصابها المرض، وطرح نفس الأفكار فى مجلس النواب فلم يلقَ آذانا صاغية، بل كان عرضة للنقد من جانب بعض الصحف الحزبية بدعوى ترويجه لمبادئ هدامة».
عرضت الدراسة أيضا جانبا من مناقشات قانون التعليم الأول بالبرلمان عام 1933، واعتبر بعض النواب فى تلك المناقشات أن تعليم أولاد الفقراء «خطر اجتماعى هائل لا يمكن تصور مداه، لأن ذلك لن يؤدى إلى زيادة عدد المتعلمين العاطلين، بل يؤدى إلى ثورات نفسية»، وطالبوا بأن يقتصر التعليم على أبناء الموسرين من أهل الريف، وعبر نائب آخر عن خشيته من أن يفسد التعليم أبناء الفلاحين، ويجعلهم يعتادون حياة المدينة، ويخرجون إلى حقولهم بالبلاطى والأحذية، ويركبون الدراجات، ويتطلعون إلى ركوب السيارات.
وعندما طُرح قانون التعليم الإلزامى للمناقشة بالبرلمان عام 1937 تجدد الحديث حول الخشية من إفساد التعليم للفلاح، وعدم جدوى تعليم أبناء الفلاح الجغرافيا والتاريخ، «يجب أن يتعلموا شيئا عن أدوات الزراعة ودودة القطن وكيفية مقاومتها»، وأبدى أحد النواب مخاوفه من أن يجد الفلاحين وقد «ارتدوا جلاليب مكوية وأحذية ملونة».
وذكرت الدراسة العديد من الأرقام المفزعة عن الواقع الاجتماعى والاقتصادى للمصريين قبل الثورة، إذ كشفت أن نسبة المعدمين من سكان الريف تجاوزت الـ80% قبل عام 1952، ووصلت نسبة البطالة إلى نحو 46%، بينما حققت معدلات المرض أرقاما قياسية حتى أن 45% من المصريين كانوا مصابين بالبلهارسيا.
لم تكن مصر قبل ثورة يوليو جنة، ولا كان المصريون ينهلون من أنهار اللبن والعسل، كما يحلو للبعض أن يردد مع كل ذكرى للثورة، بل كان أغلب الشعب المصرى ينتمى إلى فئة «المعذبون فى الأرض» الذى تحدث عنهم عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين.
قسم حسين فى مجموعته القصصية المجتمع المصرى إلى فريقين، أحدهما يمثل الأغلبية الساحقة البائسة التى تعانى الجوع والعرى والذل والهوان، وهؤلاء هم «المعذبون فى الأرض»، وأما الفريق الآخر فهم أقلية من الأثرياء تحيا فى تخمة ونعيم.
أنصفت يوليو هؤلاء الفقراء العراة المعدمون، ونقلتهم من طبقة «المعذبون فى الأرض»، إلى طبقة جديدة تحصل على تعليم مجانى وتتوظف فى مشروعات ومصانع أقامتها الثورة وتسكن فى منازل لائقة وتشاهد السينما والمسرح وتحصل على علاج مجانى فى مستشفيات حكومية.. صنعت يوليو طبقة متوسطة شملت معظم أهالينا فى الريف والحضر، فتمكن والدى وجيله من دخول الجامعة بالمجان بعد أن كان منتهى طموح والده أن يحصل مثله على دبلوم المعلمين.
لكن رغم الإنجاز الذى حققته يوليو على المستوى الاجتماعى والاقتصادى إلا أنها أخفقت على المستوى السياسى، فتحطمت تلك الإنجازات بسبب غياب الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة وحصار الصحافة وعدم وجود معارضة حقيقية.
سقطت يوليو فى اختبار السياسة فبليت بنكسة 1967، وأقر قائدها جمال عبدالناصر بأن الخوف الذى سيطر على الأجواء، وغياب الديمقراطية قاد البلد إلى تلك الهزيمة المنكرة، فدعا إلى مراجعة ما جرى بما يضمن إزالة آثار العدوان ويحول دون تكرار السقوط فى الاختبارات اللاحقة.
فى أحد اجتماعات مجلس الوزراء التى أعقبت هزيمة يونيو 1967 تساءل عبدالناصر «كيف ننتقل إلى مجتمع مفتوح ويبقى فيه معارضة؛ بحيث نتلافى الأخطاء التى حدثت على مدى الـ 6 سنين اللى فاتت، واللى بدأت تتركز أساسا من سنة 60»، مضيفا: «طيب إزاى نخلى الناس تتكلم ومتخافش؟ طب النهارده مهما قلت لهم: اتكلموا ومتخافوش الناس مش هتصدقك».
أقر عبدالناصر بأن المجتمع أصيب بالعديد من العقد بسبب غياب الحرية «فيه عقد موجودة فى المجتمع.. الحقيقة إحنا وصلنا لمرحلة إن ماحدش بيتكلم.. فى هذه الجلسات، إحنا بنقيم مرحلة، وكل واحد يقول تشخيصه وتفكيره بحيث لازم نتلافى مرحلة فاتت».
أبدى جمال ندمه على الطريقة التى حكمت بها مصر، وأقر أن حكم الشلة أدى إلى الكارثة التى بليت بها البلد، «إحنا فى شغلنا ماقدرناش لغاية دلوقتى نبنى ليه بقى؟ أنا باعتبر ما هى الدنيا ماشية، والثورة موجودة، وكل واحد موجود، والموجود بيجيب شلته وشلته بتشتغل؛ وتبص تلاقى إن الحكم بيتفسخ».
انتهت المناقشات التى أعقبت النكسة بإصدار بيان 30 مارس، وتم عرضه على استفتاء شعبى ليكون بمثابة برنامج سياسى لمرحلة إزالة آثار العدوان.
أقر البيان بضرورة الاعتماد على أهل الكفاءة، وأن تكون المناصب القيادية فى التنظيم السياسى بالانتخاب، ووضع دستور جديد للبلاد قائم على احترام الحرية وحقوق الفرد، وشدد على حصانة القضاء، وإنشاء محكمة دستورية عليا يكون لها الحق فى تقرير دستورية القوانين وتطابقها مع الميثاق والدستور.
أدرك عبدالناصر بعد نكسة 1967، أن الديمقراطية إنجاز لا يقل فى أهميته عن مجانية التعليم والإصلاح الزراعى وتأميم قناة السويس، وأن غيابها فتح الباب أمام «الشللية وانفراد مراكز القوى باتخاذ القرار»، وأن حكم الفرد أو «الشلة» أدى فى النهاية إلى الهزيمة القاسية.
لن يصمد أى إنجاز مهما بلغت عظمته فى غياب حياة سياسية سليمة قائمة على الديمقراطية والتعددية والمشاركة وتداول السلطة وحرية الصحافة، وسيظل شبح السقوط يلاحق الدولة إن لم تتعلم سلطتها من تجارب أسلافها.

التعليقات