التخطيط الكاذب.. أعراضه وطرق الوقاية منه - وائل زكى - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 سبتمبر 2021 3:14 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد تبرع المشجعين والمواطنين للأندية الرياضية للخروج من أزماتها المالية؟

التخطيط الكاذب.. أعراضه وطرق الوقاية منه

نشر فى : الإثنين 3 يوليه 2017 - 10:35 م | آخر تحديث : الإثنين 3 يوليه 2017 - 10:35 م
الإنسان كائن مفكر، وقد تكون آفته التفكير، تتولد الرغبة، تليها الفكرة، ثم الإرادة فالتنفيذ، وما بين الفكرة والإرادة، هناك تفكير، ولا ينطبق ذلك على جميع الأفعال والتصرفات، فهناك أفعال عفوية وأفعال تلقائية وأفعال مدبرة أى تم التفكير لتنفيذها، فما الفارق بين هذا وذاك.
الأفعال العفوية هى أفعال لا يتردد فيها الإنسان وقد تحدث غصبا عنه، فأنت تغمض عينيك حين تعطس غصبا عنك، أما الأفعال التلقائية فهى وليدة الفعل ثم رد الفعل التلقائى، فعل تلقاء فعل، ويتوقف البعد الزمنى بين الفعل ورد الفعل على طبيعة الفعل والفاعل، والفعل التلقائى يختلف عن العفوى فى أنه يأخذ نصيبا من التفكير الذى يحكمه العرف والمنطق الذى يؤمن به المجتمع، فالقتل مثلا يكون رده التلقائى فى بعض المجتمعات هو الثأر فى حين يكون اللجوء للقضاء تلقائيا فى معظم المجتمعات، فالتلقائية يحكمها تشريع سواء كان عرفا أو قانونا، ويكون التفكير هنا منصبا على كيفية التنفيذ للتشريع السائد، أخلص إلى أن العفوية قد لا تعطى فرصة للتفكير وبناء القرار، فى حين التلقائية تعطى فرصة للتفكير بمنطق العرف والتقاليد والقيم وأيضا القانون.
وحين يتعلق التفكير بالمستقبل، والحاجة لوضع خطة من أجل فرد أو أفراد أو مؤسسة أو دولة، هنا لابد أن يحكم التفكير منطق علمى وليس تلقائيًا، ويعرف التفكير العلمى للمستقبل بأنه التخطيط، فالتخطيط هو تفكير علمى، فإن لم يرتبط التفكير بالقواعد العلمية، صار ما بين العفوية إلى التلقائية؛ اتباع القانون أمر تلقائى، أما تغيير القانون فيحتاج إلى تخطيط، اتباع الموظف للوائح أمر تلقائى فى إطار أداء مهام وظيفته، أما تحسين الأداء الوظيفى بتغيير اللوائح والقواعد يحتاج إلى تخطيط، جميع أشكال التطوير هى أنواع من التخطيط يتأسس على تفكير علمى، جميعنا يفكر وليس جميعنا يخطط، تتبادر الأفكار، منها ما يصلح للتبنى والتحول لقرارات أو مشروع ومنها أفكار تتداعى لتكسب صاحبها خبرة التفكير، وقد يتولد منها إبداع يخرج فى أشكال عدة معبرا عن الفكرة ومترجما لحالة المفكر، وإجمالا فإن كل تخطيط هو بالضرورة تفكير علمى، وليس كل تفكير هو تخطيط ما لم يتخذ المناهج العلمية مسارا له.
أى أن حجر الزاوية فى التخطيط هو العلم، من لا يمتلك علما ليس لديه القدرة على التخطيط على الرغم من قدرته على التفكير، وفى كل الأحوال ينتج عن التفكير قرارات قد تكون شخصية وقد تتعلق بما هو أعم وأشمل بحيث تؤثر فى مجموع الناس، وفى هذه الحالة يكون لزاما على متخذ القرار أن يخطط، أى يعتمد فى تفكيره على المناهج العلمية ليصير قراره مرتبطًا بتخطيط، فإن لم يكن متخذ القرار مؤهلا علميا ــ وهذا جائز ــ لكى يخطط لقراره فى مجال ما، برزت أهمية استعانته بمستشارين مختصين ممن يملكون العلم والمنهج العلمى فى إطار المجال محل التفكير، بل تتأكد أهمية اختيار المستشار العالم ليضع تخطيطه تحت تصرف متخذ القرار، فإن تشابكت أوجه التفكير بين المستشارين صار تقدير الأولويات مسئولية متخذ القرار وحده، والذى يؤسس قراره أيضا على سلسلة من الإجراءات التى حسمها العلم للتفكير الإدارى والخروج بقرار سليم.
***
روى عن حكيم اختلف فى تسميته الناقلون، «أن الناس أربعة أصناف، رجل يعلم ويعلم أنه يعلم فذاك عالم فاتبعوه، ورجل يعلم ولا يعلم أنه يعلم، فذاك غافل فأيقظوه، ورجل لا يعلم ويعلم أنه لا يعلم، فذاك جاهل فعلموه، ورجل لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم، فذاك أحمق فاجتنبوه»، فإن فرضنا أن كل صنف من هذه الأصناف ــ العالم والغافل والجاهل والأحمق ــ خولناه مهمة التخطيط، وفرضنا أنهم مخلصون صادقون مع أنفسهم، فإن الأول يقبلها بوعى لمسئولياته، وقد يقبلها الثانى ويقدم علمه وقد لا يعى مسئولياته ويحتاج ممن خوله أن يدفعه لإبداء الرأى ويحفزه على المشاركة، أما الثالث فهو يرفضها لعلمه بعدم اختصاصه، والصنف الرابع يقبلها كما لو كان من الصنف الأول، يخرج علينا بتخطيط أشبه بالتخطيط وما هو بتخطيط، تخطيط كاذب فاسد مبنى على ادعاء علم، تجد صاحبه فخور به متحيزا له مصادرا لكل رأى يعارضه دون جدل لضعف الحجة ووهى الادعاء.
العلم مربط الفرس ومنطلقه، وكما لا صحة للقول «اسأل مجرب ولا تسأل طبيب»، نقول إن الخبرة أحد روافد بناء القرار وليست السياق الرئيسى فيه، لا مشورة لمن لا علم له، ويقع وزر ذلك على من خوله المشورة، تخيروا لمشوراتكم فإن مدعى العلم كثر، والحمقى ضاقت بهم المجالس. أليس المقاول صاحب خبرة تنفيذية فى مجاله، بلى صاحب خبرة، إذا فما الداعى للاستشارى؟ الاستشارى مسئول عن الفكر العلمى وراء القرار، وبالمناسبة فإن كلمة تصميم تعنى فى اللغة تقرير، وصمم فلان أى أصدر حكما أو قرارا، فلماذا نتهاون فى بناء قراراتنا، لتخرج كمبانٍ يتولاها المقاولون على غير تصميم، وما أكثرها حولنا، فهل نستشعر ما عليه قراراتنا مثيلة لكثير من مبانينا، الخبرة تضفى من إفرازها على سياق بناء القرار، أى أن المستشار يأخذها فى اعتباره ضمن منهاجه العلمى سواء كان يملك الخبرة أو يستعين بذويها ولكنه فى الأخير هو المسئول عن تقديم زناد فكره العلمى لمتخذ القرار، وعلى متخذ القرار أن يراجع ويستفهم ويستفسر ويعطى من محدداته وقيوده ما يشاء ليصب داخل السياق العلمى لبناء القرار حتى يخرج بما يؤدى لتحقيق الهدف واعتبار الظروف واستغلال الإمكانات والطاقات المتاحة والممكنة فى المدة المناسبة.
***
كنت مستشارا لأحد رؤساء الهيئات، وفى أول اجتماع لنا، وجهنى بعمل خطة لتنفيذ قراره الذى ينوى إصداره، وسألته بداية عن كيفية اتخاذ قراره، رد متبرما أنه بعد دراسة مستفيضة ولسان حاله يقول دع ما لا يعنيك، فصارحته بأننى مستشار ولست مقاول تنفيذ قرارات، ثم عملنا لسنوات تالية فى تناغم بين الهدف وبناء قرارات تحقيقه؛ المستشار يصمم لك ويخطط لك، هو شريكك الفكرى وعقلك العلمى، أما المقاول ينفذ لك ما تريد دون تمحيص الأسباب والمبررات وتبصر مآل الأعمال ونتائجها، فإن أردت بناء منزل أتيت بالمصمم أخرج لك من التصميمات ما يتماشى مع أهدافك وذوقك وطموحك ثم تأتى بالمقاول لينفذ لك ما أشار عليك به المصمم وقدمه لك، وهكذا تمنع الجهات النقابية كل من حصل على درجة استشارى فى مجاله أن يكون مقاولا فى ذات المجال، ويعتبر كل استشارى يقوم بعمل تنفيذى فى مجاله مخلا بواجباته المهنية ويمينه الذى أقره حين تعين استشاريا، فلماذا يحول بعض المسئولين مستشاريهم لمقاولى قرارات ولماذا يسمح كثير من المستشارين لنفسه أن يتبوأ دور مقاول القرارات؟.

 

وائل زكى استشاري التخطيط العمراني وعضو مقيم عقاري بلجان طعون الضرائب العقارية، ويعمل كأستاذ للتخطيط العمراني وتاريخ ونظريات تخطيط المدن ومدرب معتمد إدارة المشروعات
التعليقات