الانتخابات الفرنسية وصراع التيارات السياسية - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الإثنين 4 يوليه 2022 4:51 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

الانتخابات الفرنسية وصراع التيارات السياسية

نشر فى : الثلاثاء 3 مايو 2022 - 7:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 3 مايو 2022 - 7:35 م

حظيت الانتخابات الرئاسية الفرنسية هذه المرة بدرجة عالية من الاهتمام سواء على المستوى الداخلى الفرنسى، أو على المستويين الأوروبى والعالمى. وقد تصاعد هذا الاهتمام فى انتخابات الإعادة التى أجريت فى 24 أبريل 2022 بين المتنافسين الرئيسيين الحاصلين على أعلى الأصوات فى المرحلة الأولى وهما الرئيس المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون، والذى يعد حزبه من الوسط وهو حزب الجمهورية إلى الأمام، ومارين لوبن، زعيمة حزب التجمع الوطنى اليمينى المتطرف. وقد أثيرت مخاوف قوية من احتمال فوز لوبن وتصدر اليمين المتطرف لقيادة فرنسا فى هذه المرحلة الفرنسية والأوروبية والعالمية الصعبة وما قد يترتب عليها من تداعيات. وأسفرت النتائج عن فوز ماكرون بفترة رئاسية ثانية مدتها خمس سنوات.

وكان من أهم أسباب المخاوف من تداعيات فوز لوبن هو برنامج حزبها وسياساته اليمينية المتطرفة التى إن نفذت فإنها تبعد فرنسا تماما عن معظم السياسات التى اتبعتها على مدى نحو 70 عاما، خاصة علاقاتها بالاتحاد الأوروبى. حيث ترى لوبن ضرورة إعادة النظر فى تكوين هذا الاتحاد وأن يكون تحالفا بين الدول الأوروبية لوقف أو الحد من عملية الاندماج التى ترى أنها تؤثر سلبيا على الهوية والثقافة الفرنسية، وأن على فرنسا التخفيف من الأعباء المالية لمساهمتها فى الاتحاد الأوروبى، وأن يكون لها سياستها الدفاعية الخاصة بها. كما ترى أن تتجه فرنسا إلى تخفيف ارتباطها بألمانيا نظرا لاهتمام الأخيرة بتقوية ودعم الاتحاد الأوروبى.

ولم تكن لوبن موفقة فى موقفها من الاتحاد الأوروبى الذى ترأسه فرنسا حاليا وحتى 30 يونيو 2022. وقد أزعج موقفها هذا كل من المستشار الألمانى شولتس ورئيسى وزراء إسبانيا والبرتغال، مما دعاهم إلى توجيه نداء مشترك فى واقعة فريدة وغير مسبوقة، أعربوا فيه عن اعتبارهم أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية فى 24 أبريل 2022 ليست بالنسبة لهم كغيرها، ودعوا صراحة إلى إعادة انتخاب الرئيس ماكرون وليست مرشحة اليمين المتطرف لوبن التى يرونها فى صف من يهاجمون حرية وديمقراطية الدول الأوروبية، وأن اختيار ماكرون، يبقى فرنسا منارة للديمقراطية. وفى إشارة إلى لوبن ذكروا أنها من الشخصيات الشعبوية المتطرفة فى أوروبا والتى ترى فى الرئيس بوتين نموذجا أيديولوجيا وسياسيا. 

وكان ماكرون قد أشار أثناء المناظرة التليفزيونية بينه وبين لوبن قبيل الانتخابات إلى مدى ارتباطها بالرئيس الروسى بوتين وهو ما أثر سلبيا على موقفها فى ظل حرب روسيا على أوكرانيا. كما استثار المستشار الألمانى مطالبة لوبن بفض التحالف الفرنسي ــ الألمانى، الذى يعد العمود الفقرى لقيام وتطور الاتحاد الأوروبى، وتحقيق الاندماج الاقتصادى والتجارى بين الدول الأوروبية لإحلال التعاون محل الحروب والصراعات.

وعلى المستوى الداخلى فى فرنسا، فإن برنامج لوبن يتسم بالعداء ضد الفرنسيين من أصول أفريقية وعربية من دول المغرب العربى، وبالتعصب ضد الإسلام، ونادى بإصدار قوانين تمنع ارتداء الحجاب للمسلمات فى كل الأماكن العامة، ومن شدة يمينية برنامجها فقد لمح البعض أنه ينطوى بصورة أو أخرى على عداء للسامية. وانتهز ماكرون الفرصة فى المناظرة مع لوبن وقال لها إن مواقفها هذه قد تؤدى إلى إشعال حرب داخل فرنسا.

• • •

بلغت نسبة المشاركين فى التصويت نحو 71.8% وتغيب عن المشاركة نحو 28%، وهى نسبة غياب عالية تعبر عن عدم اقتناع أو عدم رضا هذه الشريحة عن المرشحين للرئاسة وبرامجهم إزاء الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية؛ سواء من جراء جائحة كورونا، أو الحرب الروسية على أوكرانيا. وقد حصل ماكرون على نسبة 58.54% من الأصوات وهى أعلى مما حصل عليه الرؤساء الثلاثة السابقون وهم: ديستان، وساركوزى، وأولاند. وحصلت لوبن على 41.56% من الأصوات، وقد احتفلت وحزبها بالحصول على هذه النسبة العالية رغم عدم فوزها، وترى أن الفرصة قد تكون أفضل بكثير فى انتخابات 2027.

 يرى المحللون السياسيون أن نحو 42% من الذين صوتوا لصالح ماكرون جاءت من أولئك الذين أرادوا قطع الطريق على لوبن إلى منصب الرئيس وليس لمناصرتهم برنامج ماكرون الانتخابى.

ويدرك الرئيس ماكرون أن فترة رئاسته الأولى لم تكن على مستوى توقعات ناخبيه على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا يغيب عنه المظاهرات العنيفة لذوى «السترات الصفراء» فى 2018 و2019 وما تعرض له من مواقف هجومية من بعض الغاضبين الفرنسيين، واتهامه بأنه رئيس الأغنياء، والمظاهرات التى رفضت اقتراحه بتعديلات لقانون التقاعد ليكون فى سن 65 سنة بدلا من السن الحالى، 62 سنة، واضطراره إلى تأجيله، وغير ذلك من الأزمات. 

لذا فقد حرص ماكرون فى خطاب الاحتفال بفوزه بأن يعد باستنباط أسلوب عمل جديد للحكم، والمشاركة فى اتخاذ القرارات لاتهامه بأنه كان دائما صاحب ومركز اتخاذ القرارات، وأنه سيعطى اهتماما أكبر للشباب ليكون لهم رأى ومشاركة، وأكد على أنه سيكون رئيسا لكل الفرنسيين.

• • •

يواجه ماكرون عدة تحديات اقتصادية واجتماعية، والحاجة إلى إعطاء مزيد من الاهتمام لتحسين مستوى القوة الشرائية للفئات الأكثر هشاشة، ومحاربة الغلاء والتضخم، وتحديث النظام الصحى، واستكمال معالجة تداعيات جائحة كورونا، وتداعيات الحرب فى أوكرانيا.

وعلى المستوى الخارجى، يعمل ماكرون على تأكيد استمرار فرنسا فى دعم الاتحاد الأوروبى بالتعاون مع ألمانيا فى مواجهة الأزمات الحادة التى تمر بها أوروبا نتيجة للحرب الروسية على أوكرانيا. وقد سبق أن حاول ماكرون منع نشوب هذه الحرب عندما التقى لمدة ست ساعات مع الرئيس الروسى بوتين فى 7 فبراير 2022 ووعده بوتين بعدم شن الحرب ولكنه لم يفِ بذلك. وبالرغم من هذا استمرت الاتصالات التليفونية بين ماكرون وبوتين وبلغت نحو 17 اتصالا منذ نشوب الحرب فى 24 فبراير 2022، كما استمر اتصاله بالرئيس الأوكرانى بصورة تكاد تكون يومية، سعيا إلى وقف القتال والتصعيد والدخول فى مفاوضات لتسوية الأزمة التى تهدد الأمن والاستقرار فى أوروبا وتلحق أضرارا اقتصادية فادحة بكل دول العالم. كما يحرص ماكرون على استمرار وتنمية علاقات فرنسا مع الدول العربية فى إطار من التعاون والمصالح المشتركة والمساهمة فى حل الأزمات العربية فى سوريا وليبيا والقضية الفلسطينية، وما يكتنف ذلك كله من صراعات أمريكية روسية. كما تهتم فرنسا بالمحافظة على الاتفاق النووى مع إيران وأهمية عودة واشنطن للاتفاق.

• • •

وثمة تحد داخلى آخر أمام الرئيس ماكرون وحزبه ومؤيديه وهو الانتخابات التشريعية التى ستجرى مرحلتها الأولى فى 12 يونيو، والإعادة فى 19 يونيو 2022، والتى يسعى للحصول فيها على أغلبية مريحة حظى بها فى البرلمان السابق، ولكنه يتعين حصول حزبه ومؤيديه على 289 مقعدا لتتوافر له الأغلبية، واختيار رئيس حكومة جديد يتوافق معه ويساعد على تنفيذ ما يريده من إصلاحات. ولكن الأمر هذه المرة يبدو صعبا على ضوء ما أظهرته انتخابات الرئاسة من توجيه رسائل قوية لماكرون وحزبه ومؤيديه سواء بنسبة الأصوات العالية التى حصلت عليها مرشحة اليمين المتطرف لوبن، أو بحلول رئيس أقوى الأحزاب اليسارية ميلونشون فى المركز الثالث فى الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية. ويسعى ميلونشون إلى التحالف مع أحزاب يسارية أخرى لتكوين جبهة تضم حزبه «حزب فرنسا المتمردة» والحزب الاشتراكى، والحزب الشيوعى، وحزب الخضر، ولكن المباحثات مع هذه الأحزاب ما زالت متعثرة لاتهامهم ميلونشون بالسيطرة ورغبته فى فرض برنامج حزبه دون اعتبار كبير لبرامج وآراء الأحزاب الأخرى. ومازال ميلونشون يأمل أن يتمكن من الحصول على مقاعد برلمانية تتيح له فرض رئيس وزراء على الرئيس ماكرون، رغم أن هذا أمل ضعيف حتى الآن.

أما مارين لوبن فإنها مستمرة بدورها فى شن حملة ضد ماكرون وحزبه، وترى أن فوز ماكرون برئاسة ثانية سيؤدى إلى كارثة اجتماعية أسوأ من رئاسته الأولى. وتعمل لوبن على جمع أكبر كتلة من اليمين الفرنسى لضمان أن يكون لديها كتلة برلمانية مؤثرة تستطيع، بالتعاون مع بعض الأعضاء الآخرين، تعديل مسار التشريعات التى ترى أنها لا تحقق مصالح فرنسا والشعب الفرنسى. ولكن الترحيب الأوروبى والعالمى بإعادة انتخاب ماكرون قد يكون له ولو بعض التأثير على الناخبين الفرنسيين عند تصويتهم فى الانتخابات التشريعية فى يونيو 2022 ليحصل حزبه ومؤيديه على مزيد من الأصوات خاصة وأن ماكرون يسعى لكسب تأييد قيادات من حزب الجمهورية وآخرين من اليمين المعتدل.

إن حالة التنازع بين التيارات السياسية فى فرنسا ما بين يمين متطرف وآخر معتدل يمثله «حزب الجمهوريون» الديجولى، وبين الوسط الذى يقوده حزب الجمهورية إلى الأمام بزعامة ماكرون، واليسار الذى برز على رأسه «حزب فرنسا المتمردة» بزعامة ميلونشون، قد تستمر لفترة حتى إلى ما بعد الانتخابات التشريعية القادمة، والأرجح أن تنحو إلى الحلول العملية بأن يستمر تيار الوسط فى قيادة فرنسا حفاظا على استقرارها الداخلى وعلى ارتباطاتها بالاتحاد الأوروبى وألمانيا لما يحققه ذلك من مصالح استراتيجية بالغة الأهمية لفرنسا. 

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات