«أحوال شخصية».. ليلة فضفضة المانيكانات! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 7:10 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


«أحوال شخصية».. ليلة فضفضة المانيكانات!

نشر فى : الخميس 3 مايو 2018 - 10:30 م | آخر تحديث : الخميس 3 مايو 2018 - 10:30 م

يفتح الستار على فاترينة ومانيكانات فى متجر ملابس، تماثيل ثلاثة لسيدات بالباروكات، الأجساد متخشبة، وعلى الوجوه ابتسامة ساكنة كالموت، فى عمق المسرح شاشة تعكس شريط فيديو، نرى صاحب المحل وهو يدخن الشيشة، ويشرب من زجاجة كبيرة، يتجه إلى باب المحل، يغلقه، هنا فقط تتحرك تماثيل المانيكانات الثلاثة.

فى البدء تكون الحركة آلية، ثم سرعان ما تعود البنات إلى حركتهن البشرية، نكتشف أنهن هاربات من حكاياتهن وأماكنهن، وأنهن تحولن فى المحل إلى تماثيل، ما زلن خائفات من عودة صاحب المكان، ولكن تنجحن أخيرا فى هزيمة الخوف، من القاعة تنضم إليهن امرأة رابعة، لتبدأ لعبة الفضفضة والحكايات.

بداية قوية وذكية لمسرحية «أحوال شخصية» التى شاهدتها على مسرح أوبرا ملك، من كتابة وأشعار ميسرة صلاح الدين، ومن إخراج أشرف حسنى.

أتاحت هذه البداية أن تعبر عن محنة بطلاتها: مشكلات، فهروب من سجن الظروف إلى سجن الفتارين، الرجل حاضر فى الحالتين، ولا ملجأ ولا مهرب إلا لبعضهن البعض، وإلينا أيضا فى الصالة الصغيرة، ستحكين لنا، كما تحكين لبعضهن، وراء كل فاترينة مانيكان، ووراء كل مانيكان حكاية، أربع قصص نسائية من أماكن مصرية مختلفة، أربعة أصوات تتبادل صاحباتها الحكى الفردى، والحوار الجماعى، ومغنية تعبر عن أحوالهن فى المواقف والحالات، وتشرح المشاعر والأحاسيس، وكأنها صوت إضافى يزيد من هدير ثورة المانيكانات.

أعجبتنى كثيرا الفكرة والبداية، هناك أيضا جهد كبير فى انتقاء الحكايات، واجتهاد واضح من بطلات العرض الممثلات عبير الطوخى، وندى عفيفى، ولمياء جعفر، وراماج، فى تجسيد كل حكاية، بما يقترب من أداء المونودراما، ثم العودة إلى التفاعل مع بعضهن من جديد، وهناك وعى من المخرج فى تحريك ممثلاته والفاترينات معا لكسر الرتابة، وللتعبير عن كل موقف.

ولكن هناك كذلك ملاحظات تستحق التنويه، قللت من الشكل العام للعرض، وأعتقد أنها ساهمت بدون قصد فى الرجوع بالفكرة والمعالجة إلى خانة المألوف والمتوقع، بعد أن رفعت البداية القوية من سقف التوقعات، وأرهصت بالجديد والمختلف، سواء على مستوى الشكل، أو على مستوى الجرأة فى المضمون.

أولى الملاحظات تتعلق بعدم تكثيف سرد الحكايات، والتى يبدو أنها مستمدة من قصص حقيقية، ولكن سرد التفاصيل شىء، وتحويلها إلى حكاية درامية مروية شىء آخر، هنا لا بد من إعادة بناء القصة، وعدم الخوف من الحذف، والإبقاء فقط على الخط المحورى، وتفاصيل قليلة تتعلق به، حتى لا نتوه أحيانا ونحن نستمع إلى ما يقترب من الثرثرة، هى بالطبع مسئولية التأليف بالدرجة الأولى، ولكن من واجب المخرج أيضا أن يطلب الحذف لضبط العرض، طالت بعض الحكايات نسبيا قياسا إلى مضمونها، وكان يمكن أن تصل بشكل أفضل وأكثر تكثيفا.

الملاحظة الثانية هى الوقوع فى فخ التأثير العاطفى على حساب فتح الباب للتأمل فى أحوال المرأة، فمن بداية تمزج المأساة بالسخرية، وتستفيد من تناقض البطلات، واختلافهن فى طريقة التعبير، انتقلنا مع كل حكاية، وباستخدام الموسيقى، إلى بكائيات مؤلمة.

من حق صناع المسرحية أن يختاروا هذا الحل الأسهل فنيا، ولكن من حقنا أن نرى فى هذا الاختيار ما يقلل من التجربة، ليست المشكلة فى سرد المأساة، ولكن فى الطريقة التى تسرد بها، وفى الضغط عاطفيا بدلا من تأمل الحالة، ونقلها من مشكلة فردية إلى مشكلة تزعج الصالة والجمهور.

لقد كانت أفضل مناطق المسرحية تلك التى غنت فيها البطلات، وتناقشن، وتمردن، وتبادلن العبارات السخرية، وأقلها تلك التى تصاعد فيها الصراخ والبكاء، رغم اجتهاد الممثلات فى الأداء.

هناك ملاحظة أخرى حول بطلة القصة الرابعة التى ظلمت أمها، وطردتها من بيتها، ثم ندمت على ما فعلت، وحدثتنا فى النهاية عن ضرورة بر الأمهات، القصة بعيدة فيما أظن عن فكرة الظروف التى تظلم المرأة، والتى رأيناها فى الحكايات الثلاث الأخرى عن حرمان البنت من الميراث فى الصعيد، وزواج الفتيات فى سن صغيرة، وأزمة محامية عاملة بين البيت والعمل، ولدى ملاحظة أخيرة هى تلك اللهجة الغريبة للفتاة الصعيدية القادمة من ملوى، والتى لا علاقة لها بلهجة تلك المنطقة، ولكنها قادمة رأسا من مسلسلات الصعيد الجوانى الذى تختلف لهجته عن الصعيد الأوسط.

رغم كل ذلك، فنحن أمام تجربة تستحق التحية: يكفى أن أصحابها انحازوا إلى المرأة فى زمن الردة والتعصب، ويكفى أن المسرحية تقدم وجوها شابة ومواهب فى كل فروع العرض المسرحى، ويكفى أنهم يضيئون مسرح أوبرا ملك فى نهاية شارع عماد الدين، الذى كان يوما شارع الفن والمسارح، وكلها أمور تجعلنا نشعر تجاههم بالتقدير، ومع كل تجربة جديدة لهم، ستقترب الحالة المسرحية حتما من النضج والاكتمال.

التعليقات