غيرة 2.0 - داليا شمس - بوابة الشروق
السبت 5 ديسمبر 2020 2:06 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

مع أم ضد استمرار التعليم عن بُعد إذا انتهت أزمة كورونا؟

غيرة 2.0

نشر فى : السبت 3 مارس 2018 - 9:35 م | آخر تحديث : السبت 3 مارس 2018 - 9:35 م
صورة وضعها أحد الأصدقاء على الفيسبوك منذ أيام، تمثل مجموعة من الناس جلست حول مائدة طعام لتتجاذب أطراف الحديث بشكل طبيعي، وقد ألقوا بهواتفهم المحمولة في سلة، بعيدا عنهم، حتى لا ينشغلوا بها ويتفرغوا لبعضهم البعض، ذكرتني تلك الصورة بالفيلم الإيطالي الذي عرض في القاهرة قبل بضعة أشهر، بعنوان "غرباء بالكامل" (Perfetti sconosciuti) للمخرج باولو جينوفيزي، والذي قرر فيه أصدقاء قدامى أن يلعبوا لعبة على العشاء اكتشفوا من خلالها أنهم لا يعرفون الكثير والكثير عن بعض، وأن في حياتهم العديد من الأسرار. ظهر الجانب الخفي في شخصياتهم عندما وضعوا هواتفهم المحمولة على مأدبة العشاء، بشرط أن يردوا على مكالماتهم ورسائلهم علنا أمام الجميع. خيانات وعلاقات سطحية وكذب وخلافه فضحها الصندوق الأسود الصغير الذي لا نفارقه ولا يفارقنا، والذي يحكم البعض إغلاقه وإخفاء ما فيه بواسطة أكواد مشفرة، فوفقا للإحصاءات نحن نمضي حوالي 58 دقيقة يوميا في المتوسط بصحبة الهواتف الذكية والألواح الإلكترونية، و 76 دقيقة لمتابعة شبكات التواصل الاجتماعي، وعشرين دقيقة لمشاهدة فيديوهات، ونصفنا يقضي سبعين دقيقة على الإنترنت قبل النوم مباشرة. هذا معناه أننا بحاجة ماسة إلى "نقاهة رقمية" وأن هذا الصندوق الأسود الذي يصاحبنا في السرير هو أكثر ما يلقي بظلاله على علاقاتنا الشخصية، بل ويتسبب في مشاكل زوجية كثيرة، ترتبط بما يسمى: " الغيرة 2.0"، نسبةً إلى مصطلح ويب 2.0 الذي يشير إلى الجيل الثاني من مواقع وخدمات الإنترنت التي ساعدت على وجود شبكات التواصل الإلكتروني وأخواتها.

***

لم تعد آثار أحمر شفاه على ياقة قميص أبيض ناصع أو رائحة عطر نسائي فواح هما ما يثيران الغيرة، بل رسالة نصية أو مكالمة مبهمة في ساعة متأخرة أو اسم حبيبة سابقة على الفيسبوك قد تشعل النيران ولا تهدأ. ولأن شركات المعلوماتية والتكنولوجيا الحديثة تعرف ذلك جيدا فقد صممت برامج للتنصت على تليفونات الأزواج والزوجات تسمح بتعقب الصادر والوارد، كما طرحت برامج أخرى للتشويش على هذه الأخيرة ومقاومتها، وفي الحالتين المكاسب مضمونة، فالمشاعر وردود الأفعال الإنسانية هي ذاتها لم تتغير منذ بدء الخليقة، مهما بلغت الدرجة العلمية أو مرتبة الأشخاص. 

التطور الذي حدث لم يطرأ على ردود الأفعال أو السلوك بقدر ما عدل في المفاهيم والأطر والأدوات وقواعد اللعبة، بمعنى أن الخيانة كانت دائما موجودة وستظل، مثلما الغيرة والحب والكره، لكن الإنترنت والهواتف الذكية جعلتنا نطرح أسئلة أخرى حول مفاهيم الخيانة وشكلها وحدودها، وهنا تختلف الآراء وتطغى فكرة النسبية، فما يعتبره البعض شيئا عاديا لا يتعدى تواصل برئ على الواتساب أو الماسنجر أو الفايبر، ينظر إليه البعض على أنه خيانة افتراضية. وتنطلق التحليلات النفسية على هذا النحو: هل من يدمن مكالمات ورسائل شخص يسعى للإغواء وإثبات الذات؟ أم يهرب من الروتين وعلاقة أكل عليها الدهر وشرب؟ أم يحب تكسير القواعد ويرغب في الممنوع؟ أم يعبر عن شيء ما ينقصه أو يبحث عن جزء منه فقده في ظل الارتباط؟ أم يشاغب لفرط عقد زواج لم يعد يرضيه؟ أم يخلق لنفسه صومعة افتراضية يريدها أن تسير بالتوازي مع حياته الواقعية؟ كما تتبلور أسئلة أخرى حول ماهية وحدود الخيانة: هل هي جسدية أم شفهية أم ذهنية أم عاطفية أم افتراضية؟ طالما ما يمكن أن يقبله شخص، يرفضه آخر، خاصة في ظل التنوع الذي يوفره إنترنت حين سهل مثلا تواصلنا مع الحب الأول بعد غياب، أو قرب المسافات بين مجهولين لم يكن ليتعارفا إلا من خلاله، بل ويتلازما على مدار 24 ساعة، كما لو كانا يعيشا معا، وهما ربما في بلدين مختلفين. 

***

ربما الفيصل هنا هو أن يضع كل طرف نفسه مكان الآخر، ويرى إن كان سيقبل بهذا الفعل أو ذاك من شريكه. بعض الشباب يتبادل الأكواد المختلفة الخاصة بالهواتف المحمولة أو حسابات الفيسبوك إلى ما غير ذلك، كدليل على الثقة. وآخرون وضعوا قواعد أخرى لهذه الثقة على النحو الذي يريحهم. لكن الأساس هو القبول بتغير قواعد اللعبة وبأننا نعيش عصرا مختلفا فيما يتعلق بالشفافية والمراقبة، فالتكنولوجيا تخفي وتفضح، تساعد على التواصل كما قد تسارع بالنهايات وتكتب جملة الختام. تقدم صورا وتنويعات لما كان موجودا بالفعل، من خلال أدوات أكثر غواية ودون بذل مجهود. تجعلنا نرى الآخر وعلاقتنا به بشكل آخر.
التعليقات