تأملات فى تاريخ السجون السياسية - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
الأحد 17 نوفمبر 2019 8:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

تأملات فى تاريخ السجون السياسية

نشر فى : الجمعة 3 مارس 2017 - 10:05 م | آخر تحديث : الجمعة 3 مارس 2017 - 10:05 م
أصدر الرئيس السادات فى الأشهر الأخيرة من حكمه قرارا بالتحفظ على قرابة ثلاثة آلاف مصرى، كان خليط المتحفظ عليهم عجيبا، كنت واحدا من هذه الأسماء ولكنى هربت، كان ضمن الأسماء الصحفى الشهير هيكل، وزعيم الوفد فؤاد سراج الدين، كان من ضمنهم سبعة وزراء سابقين بعضهم كان فى عهد السادات، تقلبات السياسة خطيرة من كرسى الوزارة إلى السجن، كان أكثرهم من الإسلاميين على رأسهم عمر التلمسانى مرشد الإخوان وقتها وكان مريضا.

كان بين أسماء المتحفظ عليهم عدد من القساوسة قد يجاوز الثمانية، كانت المرة الأولى التى يقبض فيها على قساوسة فى مصر، أما البابا شنودة الثالث بطريرك الكنيسة الأرثوذوكسية فقد عزل من منصبه وتم نفيه إلى دير وادى النطرون مع 16 قسيسا آخر، كان هذا بديلا أفضل من السجن الذى نال الآخرين.

ضمت القائمة أسماء علماء دين إسلامى كبارا مثل المحلاوى، كشك، حافظ سلامة الذى لم يغفر له دفاعه عن السويس وحصوله على أرفع وسام عسكرى منحه له السادات نفسه.

ضمت القائمة اثنين من كبار السياسيين والمفكرين المصريين وكانوا وزراء فى عهد عبدالناصر وهما «فتحى رضوان»، و «د. حلمى مراد» كلاهما كان رجلا شريفا وسياسيا محنكا ولكن هكذا السياسة، يوما فى القمة وأخرى فى السجن، ترفعك مرة وتخفضك مرات.

ضمت القائمة عددا من اليساريين المعروفين مثل د. جابر عصفور، أبوالعز الحريرى، عبدالمنعم تليمة، لطيفة الزيات، وبعض الناصريين المعروفين مثل حمدين صباحى ومصطفى بكرى، كما ضمت عددا من النساء الناشطات سياسيا مثل فريدة النقاش، صافيناز كاظم.

أما قادة الجماعات الإسلامية فى كل الجامعات فقد كانوا الأكثر عددا فى القائمة مثل د. عبدالمنعم أبوالفتوح وعصام العريان وكرم زهدى وأبوالعلا ماضى، وحلمى الجزار وغيرهم.

كان الهدف من قرار التحفظ ــ كما أعلن السادات وعرف بعد ذلك ــ تهدئة الجانب الإسرائيلى بالقبض على معارضى «اتفاقية كامب ديفيد» حتى يتم تسليم العريش لمصر بسلاسة ثم يتم الإفراج عنهم، فى الحقيقة عومل المتحفظ عليهم معاملة حسنة، لم تتغير المعاملة إلى الأسوأ إلا بعد اغتيال السادات الذى أعتبره خطيئة كبرى.

ولعل قرار التحفظ كان سببا من الأسباب المباشرة التى دفعت الإسلامبولى ورفاقه لهذا الأمر، فقد كان من بين المتحفظ عليهم أستاذه وشقيقه محمد الإسلامبولى وبعض أصدقائه.

تفكرت فى السجون المصرية عبر تاريخ ممتد من الثلاثينيات فى القرن الماضى حتى الآن فوجدت أن كل سياسى مصرى غالبا ما يدخل السجن، لم ينج سياسى مصرى أو مفكر له رأى مستقل من السجون، أجريت مع نفسى عشرات الإحصائيات لفترة طويلة لبيان مصداقية هذا الرأى فوجدته صحيحا بدرجة كبيرة.

محمد نجيب الذى ضحى بنفسه من أجل أن تنتصر ثورة 233 يوليه سجنته الثورة ولكن بشكل أصعب وأشق، حددت إقامته فى بيت فى طما فى بيت ترعى فيه الماشية ولا يصلح لإقامة فلاح، فضلا عن رئيس سابق لم يصدر ضده أى حكم، السجن أهون لأنك تجد من يسرى عنك ويشاركك همك.

عبدالحكيم عامر حددت إقامته ثم نحر أو انتحر بحسب الآراء المتباينة، تحول من القائد الأعلى للجيش إلى سجين فى بيته لا يرى أو يهاتف أحدا.

الفريق الشاذلى أفضل رئيس أركان حرب فى تاريخ مصر.. سجن ولم تغفر له حسناته العظيمة فى إعداد وتنفيذ نصر أكتوبر.

حسنى مبارك قائد الطيران فى نصر أكتوبر، ونائب الرئيس، ثم الرئيس 30 عاما سجن أيضا، وكذلك أولاده، جمال وعلاء، ومعظم أركان حكم مبارك سجنوا أيضا ومنهم صفوت الشريف وزكريا عزمى والعادلى.

كل وزراء عبدالناصر تقريبا سجنهم السادات بعد 15 مايو 1971، ذهبت إلى كل الزنازين التى كانوا فيها، كان الشاويش يقول لنا: هذه زنزانة شعراوى جمعة الذى كان تهتز له الداخلية، وهذه زنزانة الفريق فوزى الذى كان له فضل كبير فى استعادة الجيش لكفاءته العسكرية بعد النكسة، وهذه زنزانة فلان رئيس أمن الدولة، وأحمد كامل رئيس المخابرات، تم تحسين هذه الزنازين نسبيا ولكنها بقيت مثل كل السجون المصرية أقل كثيرا من مثيلاتها فى دول أقل منا شأنا.

كل قادة مخابرات الرئيس ناصر وعلى رأسهم صلاح نصر حوكموا وسجنوا فى عد ناصر نفسه، شمس بدران الذى كانت تهتز له مصر وحوارى المشير عامر سجن وهرب للخارج.

كل رجالات الرئيس مرسى سجنوا أيضا معه، حسن البنا سجن فى عهد الملك فاروق ومعظم المرشدين الذين جاءوا من بعده سجنوا، الهضيبى الأب والابن والتلمسانى ومشهور وعاكف ود. بديع، ما دمت سياسيا أو تتبع الإسلام السياسى سوف تسجن إن عاجلا أو آجلا.

سنوات وسنوات تمتلأ السجون المصرية ثم تفرغ، ضمت عباقرة فى الأدب مثل العقاد والصحافة مثل مصطفى أمين وهيكل وكذلك السياسة والأدب والفن والعسكرية، والحكم، آلاف يدخلون ثم يخرجون، ليدخل غيرهم.

عدد السجون السياسية فى مصر كثير، كلما فرغت من أهلها عاد إليها آخرون، كلٌ له تجربته الخاصة فى السجون، بعضهم سطر تجربته وآخرون رفضوا، وفريق ثالث حكاها لمن حوله.

السجن جزء من الحالة السياسية فى العالم الثالث، لن تكون سياسيا حتى تمر به، أى تماس سياسى حقيقى للإنسان فى عالمنا الثالث لابد أن يدخلك السجن ولو لبعض الأوقات على قدر تماسك مع السياسة.

السجن مدرسة كبيرة تعلم منها السياسيون والإسلاميون والشيوعيون والليبراليون الكثير والكثير، وما زالوا يتعلمون وسيتعلمون، وربما يلتقى هؤلاء فى السجون أكثر مما يلتقون فى الخارج وتذوب خلافاتهم فيها أفضل من خارجها.
والسؤال الذى يراودنى مرارا: متى تغلق السجون السياسية فى العالم الثالث؟!

 

التعليقات