نحو لاهوت مسيحى وفقه إسلامى للشأن العام - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأربعاء 19 مايو 2021 5:13 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


نحو لاهوت مسيحى وفقه إسلامى للشأن العام

نشر فى : السبت 3 يناير 2015 - 8:20 ص | آخر تحديث : السبت 3 يناير 2015 - 8:20 ص

يتحدث كثيرون من المصريين والعرب بل ومن العالم هذه الأيام عن أهمية التواجد المسيحى الفعال فى الشرق الأوسط وذلك بسبب ما قامت به دولة الإسلام فى العراق والشام (داعش) فى مناطق نفوذهم من تهجير للأقليات المسيحية وتواكب مع ذلك مذابح اليزيديين واستعبادهم وبيعهم فى سوق النخاسة مما أدى إلى تشويه الإسلام، حيث إنهم يصرون وبتحد أن هذا هو الإسلام الصحيح مستخدمين آيات من القرآن وأحاديث. فى الوقت ذاته حمل كثيرون من العلماء والمحللين بعض المسئولية على المسيحيين، من هنا جاءت الدعوة المزدوجة لمراجعة اللاهوت المسيحى والفقه الإسلامى من نحو الشأن العام. وتحت ندوة بعنوان «نحو لاهوت مسيحى للشأن العام» شاركت فيها ألخص ما جاء بها على النحو التالى:

هناك ثلاث مشاكل على علماء اللاهوت المسيحى أن يقدموا حلا لها حتى يكون تواجدهم طبيعيا وفعالا فى الشأن العام.

المشكلة الأولى: الفصل بين ما هو مسيحى وما هو غير مسيحى.

الذى يقرأ كتابات الآباء خلال الفترة السابقة لمجمع نيقية القرن الثالث الميلادى يكتشف أن هناك خطا لاهوتيا وعقائديا رئيسيا كان عندهم يتمركز حول الفكرة القائلة بأن الإنسان ينتمى إلى الإنسانية الساقطة فى آدم الأول وإلى الإنسانية الجديدة فى (آدم الأخير) يسوع المسيح. من هنا لم يميز الآباء بين الأدب المسيحى وغير المسيحى لقد كتب باسيليوس الكبير مقالة عن فوائد الأدب الوثنى واعتبر أن إنجازات العقل الإنسانى قبل المسيح قابلة للإستخدام بشكل جيد فى حياة الكنيسة. لقد تعمق اللاهوتيون القدماء فى دراسة الفلسفة اليونانية والعلوم والفنون التى أنتجتها الحضارات السابقة، لقد كان الزواج المختلط (مع الوثنيين واليهود) مباحا من القرن الأول حتى الرابع بناء على كلمات الرسولين بطرس وبولس فى هذا الشأن عن القدوة للآخر المختلف ورسالة المسيح المقروءة من خلال سلوك المؤمنين داخل أسرهم. لكن عندما اعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية وأعلنها دينا للإمبراطورية التى تحكم العالم، دخل فى المسيحية من لا يعلمون شيئا عنها، والنتيجة أن سيطرت المؤسسة الدينية على الشعب المسيحى وسيطر الإمبراطور على المؤسسة الدينية وهكذا صدرت حوالى عام 400 م تعليمات الإمبراطور بمنع الزواج من الهراطقة، وفيما بعد صدر أيام ثيئودوسيوس قرارا بإزالة المعابد غير المسيحية (الوثنية اليهودية) وتم تهجير جميع اليهود من الإسكندرية، وهكذا بدأ الفصل بين ما هو مسيحى وغير مسيحى، وبدأ الاغتراب فى المكان على الرغم من أن يوحنا كاتب الإنجيل استخدم من الفلسفة اليونانية مصطلح (الكلمة) فى الحديث عن المسيح، واستخدم بولس الرسول فى رسائله الشعر الوثنى للحديث عن الله الخالق باقتباسه «الذى به نحيا ونتحرك ونوجد»، كما قال أحد شعرائكم، وقد امتد هذا الاغتراب حتى يومنا هذا فى علاقة المسيحيين بالحضارة التى يعيشونها وفى علاقاتهم وتفاعلهم مع الكيانات الأخرى فى نفس الحضارة، ونحن نرى أن التحدى الكبير الذى يواجه المسيحية اليوم إنما هو قراءة التراث الإسلامى واستيعابه استيعابا تاما كما فعل آباء الكنيسة الشرقية مع التراث اليونانى الرومانى واليهودى والتفاعل معهم فى كتاباتهم اللاهوتية ونظرياتهم.

المشكلة الثانية: الهوية والحضور

إن الهوية المسيحية تتأكد من خلال الحضور الإلهى فى طبيعة الإنسان، وهذا لا يتحدد فى إطار منظومة سوسيولوجية (اجتماعية) لاهوتية بقدر ما هى «عيش» لهذا الحضور هذا العيش هو فى الأساس تحول فى الكيان الداخلى للإنسان على الصورة التى يريدها له الله (وهى صورة الإنسان يسوع المسيح) الذى كان يتحرك بدافع الحب والرحمة لجميع البشر دون تمييز لعرق أو دين أو جنس، والذى نقل فكر البشر من كون أن هناك «شعب الله المختار» إلى أن جميع البشر هم شعبه، حتى الملحد منهم وغير المؤمن به، فهؤلاء هم أولاد الله أو (عيال الله) يحبهم كأب ينتظر توبة ابنه وعودته، لكن من المستحيل أن يتبرأ منه مهما كانت درجة عصيانه بإنكار أبوته.

وانتماء الإنسان إلى الله لا يتحقق إلا بالإنتماء إلى الإنسانية ككل والانتماء إلى الإنسانية تأتى من خلال الانتماء إلى حضارة ومكان محددين دون اغتراب، ونفس الأمر ينطبق على المسلم الذى ينتمى إلى الله والإنسانية ككل. هنا يحدث الذوبان كمسيحيين ومسلمين معا فى حضارة واحدة وهوية واحدة.

المشكلة الثالثة: تجدد الفكر الدينى المستمر دون تجمد عند نقطة تاريخية معينة

وهذا لا يحدث إلا بأن نفلسف التوتر الخلاق بين المجتمع والمؤسسة الدينية، بين العلمانى ورجل الدين بين الفكر والعمل، نحتاج إلى ترجمة اللاهوت والفقه إلى حياة يومية.

إن داعش والفكر المتطرف لا يهددان المسيحية فقط بل الإسلام أيضا، فعندما يتحول الثبات فى الفكر الدينى إلى جمود مع تغيرات العصر هنا خيانة للذات والتاريخ، إن كان مسيحيو ومسلمو مصر يريدون ألا يسقطوا من التاريخ فعليهم أن يلتزموا به ويتجاوزوه، فليس عليهم أن يغرقوا فى التاريخ (السلفية الدينية) ولا أن يترفعوا عليه (الروحانية الشكلية المزيفة خلال طقوس وفرائض بلا معنى أو روح) والاثنان ليسا من مقاصد الأديان فى جوهرها.

•••

هناك ثلاث طرق أمامنا كمسيحيين ومسلمين مصريين:

1 ــ الاستمرار فى التجمد ورفض إصلاح الفكر الدينى الذى أنقذ المسيحية الغربية من تجمد وانحراف لألف عام تم فيها القيام بالحروب الصليبية وبيع صكوك الغفران (بيع الجنة) والفساد الدينى. ولا شك أن شرقنا الأوسط يعيش قرونه الوسطى بامتياز هذه الأيام، والاستمرار هكذا سوف يصل بنا إلى التجمد فتموت الأطراف وينتهى الأمر بتوقف القلب.

2 ــ الاستمرار فى الاغتراب فنعيش جميعا فى عالم وهمى من صنعنا، فليس فى الإمكان أبدع مما كان، ولا نتفاعل مع مقومات العصر، فنبدأ فى الاندثار وكم من حضارات اندثرت.

3 ــ قبول تحدى المراجعة والرؤى المستقبلية.

•••

نحتاج إلى وقفة فعلية مع الذات والآخر على أرض الوطن، نستعيد أعمال علمائنا المصلحين، ولا أنسى جلسة مع سيناتور أمريكى محافظ منذ ستة أشهر تقريبا بعد حديث عن الحالة الراهنة قلت ــ أريد طمأنته ــ لقد بدأ الحديث فى كواليس المؤسسات الدينية عن أهمية إصلاح الفكر الدينى ويتحدث كثيرون فى الإعلام عن الشيخ محمد عبده ومصطفى عبدالرازق وطه حسين وحامد أبو زيد وضرورة مراجعة التراث والمناهج الدينية، نظر إلى متأملا وابتسم ابتسامة صفراء قائلا من قال لك أننا نريد ذلك.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات