فقه ولاهوت الأمل - إكرام لمعي - بوابة الشروق
السبت 28 نوفمبر 2020 1:21 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من سيفوز في النهائي التاريخي لدوري أبطال أفريقيا يوم الجمعة؟

فقه ولاهوت الأمل

نشر فى : الجمعة 2 أكتوبر 2020 - 9:55 م | آخر تحديث : الجمعة 2 أكتوبر 2020 - 9:55 م

فى ضوء استمرار جائحة الكورونا، وبعد ما يقرب من العام لم يصل العلم والعلماء فى جميع أنحاء العالم إلى اللقاح الذى يعطى الإنسان الأمان من الإصابة به، هذا فضلًا عن التوتر الذى يسود العالم بسبب الموجة الثانية للكورونا ومدى خطورتها وكيفية مواجهتها، هنا يكون السؤال هل نحن متفائلون؟ أم متشائمون؟.
لا شك أنه مع مرور الوقت استشرى بين الناس نوع من اليأس والتشاؤم، سواء على المستوى الإقليمى (ليبيا ــ السودان ــ لبنان.. إلخ) أو على مستوى مصر.. إلخ. وعند طرح السؤال على المسئولين أو العلماء متى نتوقع القضاء على فيروس كورونا؟ تكون الإجابة ذم الفم أو تجاهل السؤال.. إلخ.
***
منذ عدة سنوات قرأت عنوانًا غريبًا لكتاب هو «أمل بلا تفاؤل» وكان هذا الكتاب ــ كما أتذكر ــ يشير إلى واقع راهن يحتاج إلى الأمل، ويبتعد عن «التفاؤل الساذج الذى يتوقع أو يستولد الفرج من لا مكان» ويقول الكاتب شرحًا لذلك إن الأمل المنشود فى أى أزمة إنسانية له مرجعية حقيقية مؤكدة بحسب الخبرة التاريخية للإنسان، وهذا يختلف من شخص لآخر، ومن شعب لآخر، بمعنى أنه ليس علينا أن نفقد الأمل فى أية حال، فالأمل الذى خلقه الله كسمة لخليقته من البشر هو حاضر فيهم أبديًا عبر الزمن والقرون الخالية، ودليلنا على ذلك هو تقدم الحضارة الإنسانية التى تطورت عبر التاريخ رغم أن الإنسان ليس الأقوى عضليًا ولا الأطول عمرًا، وهذه الفكرة يعرفها المؤمنون بالله قبل غيرهم، لأن الكتب المقدسة تتحدث دائمًا عن الأمل والرجاء فى المستقبل، والدعوة لهزيمة اليأس حاضرة باستمرار، بل وتتضح بشدة فى الطقوس والعبادات، وفى النصوص العبادية مثل الصلوات التى تتردد أو التسابيح التى يتغنى بها الإنسان أثناء العبادة أو الخشوع للآلهة سواء فى الحضارات القديمة حتى قبل الديانات السماوية أو فى الحضارات الحديثة، حيث نجد دائمًا تعبيرات «الأمل فى الإله والرجاء عنده وهو العليم المجيب والأقرب للإنسان من حبل الوريد... إلخ. وأساس الأمل والرجاء ــ كما تعلمنا ــ فضيلة إلهية هى «الصبر على الشدائد» والإيمان الواثق بالمستقبل، فالإنسان الذى تعلم من الأديان الصبر والرجاء فى القديم هو ذات الإنسان الحديث الذى يرى بعقله الظواهر الطبيعية التى توحى دائمًا بأن المستقبل أفضل، وهو بهذا جمع بين الجوهر الإنسانى القديم الذى لا ييأس من رحمة الله وبين عقل متجدد يؤكد أن المستقبل أفضل دائمًا. لكن المشكلة الحقيقية التى تقابلنا هنا، هى ما هى العلاقة بين التفاؤل والعقل؟. هناك قاعدة فكرية أو علمية عقلانية تقول: «لا تفاؤل إلا بالممكن» حتى لو كان المتفائل واسع الإيمان أو عميقا، ولعل العلاقة بين التفاؤل المعقول فى أسبابه المادية وبين الاحتفاء المبالغ فيه بمنجزات، والتى تبدو فى ذاتها كمعجزات لم يكن الإنسان يتصورها من قبل مهما كان تفاؤله أو إيمانه بالمستقبل، مثل الوصول للقمر أو غزو الفضاء.. إلخ، فكل ذلك لم يخطر بباله بشكل عام. إلا أن علينا أن نفرق بين التفاؤل المشروع المبنى على تفكير علمى عقلانى وبين تفاؤل مستبشر يقترب من الحماقة، ولذلك صك الناقد الأدبى الإنجليزى تيرى إيجلتون لكتابه الجديد عنوانًا موحيًا هو «أمل بلا تفاؤل» وقد ميز إيجلتون بين التفاؤل المشروع وبين أحلام اليقظة، والتى فيها يحلم الإنسان دون أن يضع أقدامه على الأرض، أو دون أن يقَيّم ما يحيط به من أفكار وإمكانات، فهو يستيقظ فجاءة من حلمه دون أن يمسك بيده أى خطة عمل يمكن تحقيقها على الأرض، بل هى كانت مجرد أحلام تطير فى الهواء لحظة انتباهه من حلمه.. إلخ، ولأجل ذلك أراد المؤلف أن يقوم بمحاكمة محسوبة، وفى هذه المحاكمة أدان «التفاؤل» العاجز عن الحركة للأمام، بل وأدان الإنسان العاجز عن الحُلم والرؤى، وفى ذات الوقت أدان حديث كارل ماركس عن الحتمية التاريخية، والتى بنى عليها نظريته الماركسية ووضع المستقبل فى المسار التقدمى للتاريخ، حيث يطلب من الإنسان المضطهد أن يوكل تحقيق ما يريد إلى إرادة التاريخ الغامضة التى تنتقل من خير إلى خير، من دون تدخل إنسانى، هنا تحدث إيجلتون وبقوة رافضًا نظرية الحتمية التاريخية ومعتمدًا فى نظريته على فكرة «الإنسان القائم من الأموات»، ولم يقف إيجلتون عند مجرد نحته تعبيرًا عبقريًا هو «الزمن المقام» أو «العصر المقام من الأموات» والذى من خلاله يحطم الإنسان الذى يؤمن بالقيامة «رتابة التاريخ الأقرب إلى القضاء والقدر»، لكنه أيضًا يأتى بزمن جديد، ديناميكى متحرك وليس إستاتيكى ثابت ينتصر الإنسان من خلاله، والفكرة التى أسرتنى هنا قوله «إن التفاؤل ليس موضوعًا يمكن السيطرة عليه بتصورات إنسانية، لكن الإيمان أو الثقة والأمل فى المستقبل هو فعل متحرر من محدودية الإنسان، بل هو بعيد عن التصورات الإنسانية المحدودة والعاجزة، ولتأكيد فكرته يستدعى إيجلتون هنا أسماء من التاريخ لا يختلف عليها اثنان استطاعوا أن يصلوا إلى هذا الفكر لأنهم ضَموا الأدب مع الفلسفة من ناحية والتاريخ مع الفقه واللاهوت من الناحية الأخرى وهم توما الأكوينى وابن رشد والقديس أوغسطين، والمحصلة هنا أن الأمل ورجاء المستقبل ضرورة إيمانية شريطة ألا تعبث بها الحماقة الإنسانية المحدودة، وأن ضرورة الأمل أو حتمية الرجاء عصية على التحديد وليست لها تعريفات نهائية، وهكذا كان على المؤلف هنا أن يتحدث ويَعرف ماذا يقصد بالأمل فيشرح: «هل هناك من فارق بين الأمل والرغبة؟ وما هى العلاقة بين الرجاء والثقة؟ ولأنه لا يعطى إجابات نهائية يقول: «لا حماقة بالضرورة فى أن يكون لدينا أمل لا جدوى منه، أى أن الأمر مفتوح بلا نهاية، وإن كانت الحماقة قائمة فى أمل غير معقول فمن العقل أن نأمل فيه كشيء مُرجح وليس مستحيلا، أو نحول ذلك المستحيل إلى شيء ممكن وقوعه أو حدوثه، وهنا نسأل: هل العقل مجرد عاطفة وأحاسيس أم أنه تجريبى واقعي؟ بالطبع السؤال صعب، والمؤلف لا يجيب عليه مباشرة لكنه يُحذرنا من التعريفات الجاهزة ويقول «إنه يمكن تربية الأمل والرجاء بالممارسة والانضباط الذاتى، فالأمل أو الرجاء قابل للتعلم والتطور، ولكن هو لا يؤمن بإمكانية تعريفه رياضيًا، فهو يعتبر الأمل أو الرجاء تدريبا وممارسة مفتوحة الزمن وربما ترتبط بأفراد بعينهم، ولا تشكل قاعدة عامة لكل البشر، لكن ما يتبقى فى النهاية، إنسان مفترض يحتاج إلى أمل مفترض، وتجارب إنسانية متنوعة تربط الأمل بالعقل أو تشده إلى الإرادة، أو تربك العلاقتين معًا، يقول كيركيجارد الفيلسوف الوجودى المؤمن بوجود الله «إن الوجود الإنسانى لا يستقيم إلا اذا عرف أهوال وأبعاد الروح كلها، وهذا يحدث إذا عبر الإنسان فى أشكال سلبية وفى تجارب فاشلة»، ويدعو المؤلف هذه التجربة بـ«قوة اليأس والإحباط» وهؤلاء عندما يصلون إلى قوة اليأس ويشعرون بل ويعترفون أنهم فارغون عليهم أن يتوقعوا أو يعملوا على الرجاء أو الأمل فى علاقة حية مباشرة فردية إنسانية مع الله، هذه العلاقة الفردية يتحدث عنها المتصوفة الإسلاميون والسياح المسيحيون الذين عانوا من الصراع فى رحلتهم من اليأس إلى الرجاء بإسهاب شديد، وفى نهاية رحلتهم تحدثوا عن خبرة روحية عاشوها كمتصوفين فى الإسلام وسياح فى المسيحية، بالطبع هذه الخبرة الروحية أكبر وأعظم من التصور الإنسانى، ومن المستحيل وصفها بدقة وعندما وصفوها بلغة محدودة التعبير والقواعد اللغوية وقعوا فى المحظور، وحُوكم بعضهم وأعدموا أو نفوا من الأرض.
***
يرى المؤلف وأنا معه تمامًا إن هؤلاء الذين عَبروا الفراغ الكبير فى المشوار من اليأس إلى الأمل والرجاء ينقسمون إلى فسطاطين، الأول من تحدثنا عنهم أعلاه، أما الفسطاط الثانى فهو يتكون من أصحاب الخبرة الروحية التى يتحول الإنسان فى تعامله معها إلى مفكر إنسانى قلقًا مشغولًا دائمًا بعلاقته مع الله والناس، فيرى الله فى الناس ويرى الناس فى الله، وهذه الرؤيا فى ذاتها معضلة تحتاج إلى وقفة أخرى.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات