بلادنا التى تلفظنا - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 6:48 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


بلادنا التى تلفظنا

نشر فى : الأربعاء 2 أغسطس 2017 - 9:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 2 أغسطس 2017 - 9:15 م
أن تشاهد فيلما فى السينما فى بلد أجنبى تدور أحداثه فى بلدك، أن ترى مدينتك وشوارعك فتكاد تشم الروائح التى لطالما شممتها دون أن تعيرها اهتماما، أن تسمع صوت السيارات ونداء الباعة المتجولين وترى وجوها كالتى تصادفها يوميا فى عمارتك أو فى الحى الذى تعيش فيه، كل ذلك أمر مربك يجعلك تخرج من دار العرض غير متأكد لو أنك رجعت لمدة ساعتين إلى مدينتك أم أنك فعلا كنت تشاهد عملا دراميا كتبه شخص من بيت فى مكان بعيد، ثم صور أجزاء منه على الأقل فى الحى الذى تعرفه.
أن تخرج من ظلام السينما فتنظر إلى وجوه من يخرجون منها مثلك محاولا أن تفهم ما يدور فى أذهانهم، فتكاد توقفهم لتقول لهم: كثير مما شاهدتموه صحيح لكن بلدى أكثر من ذلك بكثير. بلدى حيث أعيش فيه أيضا من وما أحب، فيه فنجان القهوة الذى لا ينتهى حين أجلس فى الشرفة مع صديقتى، فيه حديث المساء الذى لا يتوقف حين أجتمع بمن يشاركنى الهم العام. أنا لا أحاول أن أجمل ما شاهدناه للتو فكل شىء فى الفيلم صحيح، العنف والوسخ والفساد والقسوة والتهميش والظلم، هو كله موجود وينخر بشكل متواصل فى قلب ونخاع بلدى، لا حجة لدى على ما تحاولون استيعابه ولن أحاول أن أخفى عنكم ثقل حياتنا هناك.
لكن ما قد أفشل فى نقله إليكم وأنتم تخرجون معى من دار العرض، وتبحثون فى جيوبكم مثلى عن سيجارة تدخنوها فى الشارع ريثما تستعيدون إيقاع مدينتكم المنظمة، هو أننى هناك، فى مدينتى، لى فى الشوارع من القصص التى، حتى ولو ظهر الحكواتى من داخلى كالمارد من الفانوس، لن أستطيع أن أفيها حقها من الجمال. لى فى الحارات الضيقة روائح أستطيع استرجاعها بلحظة وأنا أقف معكم هنا، حيث لا رائحة عادم وحيث الطاقة صديقة للمناخ وباردة على البشر. لى فى بيوت مدينتى المتهالكة وجوه تغيرت ملامحها مع تغير الوقت، وتوالت فيها الابتسامات والدموع مع تسلسل الأحداث، ولى فيها قلوب مفتوحة أعرف أننى أستطيع أن أختبئ داخلها، فيغلق أصحابها أبوابها على حين أطلب منهم أن يحمونى.
***
أن تشعر أنك تحمل فى قلبك بلدا متهالكا متآكلا تتمنى أن ترمم سقفه بيديك وأن تمسح عن جدرانه غبار السنين، وأن تنظر إلى بلدك من بعيد، من هذه المدينة صارخة الجمال فتشعر أنك من هناك، حيث الجمال يبرز أحيانا ثم يختفى بسرعة تحت ثقل السنوات، كل ذلك يجعلك تفكر بسيزيف، بطل الأساطير الإغريقية، الذى يحمل على كتفه صخرة تكاد أن تسحقه، لكنه لا يعرف كيف يرميها جانبا فقد أصبحت جزءا منه، فتراه يتوقف قليلا ليستعيد أنفاسه ثم يواصل صعوده عله يصل إلى قمة الجبل، قبل أن تخر قواه فتهوى صخرته إلى القاع فيعود مرة بعد مرة ليحملها وهكذا.
***
لا شك أن للسفر قدرة سحرية على إجبارك على إعادة النظر فى حياتك وفيما حولك، تقارن هنا بهناك، تنظر إلى أهل البلد الذى تزوره وهم يمارسون حياتهم فى الشارع وفى الباص، فى المطاعم وفى أماكن التجمع. تقارنها بمدينتك وتتمنى لو كانت مدينتك قد خطت على خطى المدينة التى تزورها. تعود بالزمن بضع سنوات فى تمرين ذهنى فيه الكثير من السادية، فتتساءل ما الذى كان يمكنك عمله ولم تعمله، كم من المسئولية تتحمل أنت، الفرد، المواطن، فى الحال العام، هل كنت سلبيا فى بعض الأحيان ففضلت البقاء فى بقعة الراحة التى تعيش فيها على حساب العمل على تحسين الشأن العام؟ تسمع قصص نجاح أشخاص من بلدك فى المدينة التى تزورها، ويتناقل أصدقاؤك قصص النجاح تلك بفخر من يتحدث عن نجاح أولاده، فتتساءل وما المهم فى ذلك، فى بلد يوفر الفضاء العام والإمكانيات اللازمة حتى ينجح مواطنوه، ثم تعود وتكذب نفسك فتتفاخر أيضا بمن نجح أمام مجموعة أخرى تلتقى بها.
لكن للسفر أيضا القدرة على إعطاء أحدنا بعض المسافة التى تساعد على تحديد المواقف المركبة. الوضع صعب فى بلدى، الأفق يبدو مسدودا، خيبة الأمل تهيمن على من حولى، والخوف من غد لم يعد واضحا يحث الكثيرين على التفكير فى الخيارات المتاحة أمامهم. تشارك أصدقاءك مخاوفك، فتظهر عند بعضهم، ممن يسافرون أيضا، نزعة دفاعية غير مفهومة. يقترحون أن تنتقل بحياتك إلى مكان آخر إن لم تكن راضيا. صادم هذا الجواب فأنت تريد البقاء فى بلدك لكنك تريد لبلدك أيضا أن يحبك. تريد منه أن يحترمك، فلا تشعر أنك وفى كل خطوة فيه إنما تتصارع مع التفاصيل اليومية، بينما هناك طرق كثيرة كان بإمكانها أن تتقدم ببلدك وتجعل منه مكانا يحبك كما تحبه.
***
قاسية هى بلادنا التى تشعرنا أنها مستعدة أن تلفظنا بمجرد أننا نريد أن نمسك بيدها نساعدها ونساعد أنفسنا على التقدم معا. والأقسى منها من يطلب منك أن ترحل لأن لا شىء سيتغير. تخرج من السينما فى البلد النظيف المتقدم، فترى وجوه من كانوا معك فى العرض تتساءل إن كان كل ما رأيته هو من خيال الكاتب والمخرج، وتتمنى أن توقفهم جميعا لتقول لهم كل ما فى الفيلم صحيح، لكن هناك ما هو أقوى من الفيلم وأقوى من غضبى، وهو ما يجبرنى على البقاء هناك.

كاتبة سورية

 

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات