الديمقراطية تعنى استيعاب أفكار لا توافق عليها - دوريات أجنبية - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 سبتمبر 2021 3:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد تبرع المشجعين والمواطنين للأندية الرياضية للخروج من أزماتها المالية؟

الديمقراطية تعنى استيعاب أفكار لا توافق عليها

نشر فى : الجمعة 2 يوليه 2021 - 9:45 م | آخر تحديث : الجمعة 2 يوليه 2021 - 9:45 م
نشرت مجلة The Atlantic مقالا للكاتبة آن أبلبوم، تحدثت فيه عن مميزات الديمقراطية والتى تتمثل فى قراءة واستيعاب كل الأشخاص والأفكار حتى التى لا نؤمن بها، جاء ذلك على خلفية تصريحات ميلى، رئيس هيئة الأركان المشتركة، بأنه يقرأ للينين وماركس، مما جعله عرضة للهجوم من التيار الجمهورى.. نعرض منه ما يلي:

قال الجنرال مارك ميلى، رئيس هيئة الأركان المشتركة، أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب يوم الخميس قبل الماضى: «لقد قرأت كارل ماركس. لقد قرأت لينين. وهذا لا يجعلنى شيوعيًا».
قول ميلى هذا دفع تاكر كارلسون، مذيع فى قناة فوكس نيوز، إلى وصفه قائلا: «إنه ليس مجرد خنزير، إنه غبى».
فى البداية نقول إنه يمكن للمرء قراءة أى نص من وجهات نظر متعددة وبالتالى رؤية موضوعات مختلفة فيه. مثلا عندما يقرأ ماركسيّ/ة كبرياء وتحامل لجين أوستن قد يصبح مهتمًا بالطريقة التى تشكل بها الثروة والسلطة. وعندما تقرأ النسوية نفس الكتاب، قد تكتشف أن المواقف الأبوية تجاه المرأة تشكل حياة الشخصيات أيضًا. كما قد يكون لمن يستهوى سيجموند فرويد رؤية مختلفة تمامًا.
وفى شهادته أمام الكونجرس قبل أسبوعين، أيَّد الجنرال مارك ميلى الفلسفة الأساسية للتعليم الليبرالى: اقرأ على نطاق واسع؛ استمع إلى الجميع، ابنِ حكمك على ما هو مهم. وإليك/كِ كيف قال ذلك: «أعتقد أنه من المهم حقًا لمن يرتدى الزى العسكرى منا أن يكون منفتحا وقراءاته على نطاق واسع». هذه العبارة تعنى أنه يجب قراءة كل الأشياء حتى التى لا توافق/ين عليها. فيمكن بالتأكيد قراءة ماركس دون أن يصبح المرء ماركسيًا، ولكنكِ/كَ من يحدد ذلك. سيساعد القيام بذلك المرء على أن يصبح شخصًا متعلمًا، أو كما فى حالة ميلى، جنديًا متعلمًا.
يمكن قراءة نظرية العرق النقدى، وهى النظرية التى تحدد الطرق التى شكلت بها العنصرية المؤسسات. كما يمكن قراءة التاريخ الأمريكى بنفس الروح التى يتم بها قراءة قطعة أدبية عظيمة سعيا لفهم التعقيدات والفروق الدقيقة، الظلام والنور، الخير والشر فى التاريخ الأمريكى. يمكن أن يستلهم المرء من إعلان الاستقلال، شعور الرعب من طرد الأمريكيين/ات الأصليين، والاندهاش من طاقة المهاجرين/ات والمستوطنين/ات على الحدود. يمكن أن نفهم أن الولايات المتحدة بلد عظيم وفريد من نوعه يستحق الدفاع عن قيمه ــ وندرك فى الوقت نفسه أن هذا البلد ارتكب أخطاء فظيعة وجرائم مروعة. لكن هل من الصعب للغاية الاحتفاظ بكل هذه الأفكار المتباينة فى الرأس فى نفس الوقت؟
أعلن ميلى أنه يجب على الجنود أن يعلموا أن الأمريكيين والأمريكيات من أصل أفريقى كانوا يعتبرون أقل من بشر حتى «نشبت حرب أهلية وإعلان تحرير العبيد لتغيير هذا الواقع». وأشار ميلى إلى أن الأمر استغرق «100 عام أخرى» للوصول إلى قانون الحقوق المدنية لعام 1964. كل ذلك يبدو أنه غير مثير للجدل على الإطلاق. إنها مجرد تلاوة لحقائق عن التاريخ الأمريكى، أشياء يتعلمها معظم الناس فى المدرسة الابتدائية. ولكن بالنسبة لتاكر كارلسون من قناة فوكس نيوز، فإن مجرد اقتراح أن تسعى إلى فهم مجتمعك، بما فى ذلك عيوبه، يجعلك «خنزيرًا» و«غبيًا». دعت لورا إنجراهام، مذيعة أخرى على قناة فوكس نيوز، إلى وقف تمويل الجيش ردا على تصريحات ميلى. ويبدو أن كارلسون وإنجراهام وغيرهما من المحاربين/ات الثقافيين ممن يهيمنون الآن على عالم المعلومات والترفيه المحافظ يعتقدون أن دراسة التاريخ الأمريكى ومعرفة ما حدث بالفعل تعتبر من الأمور المحظورة!.
إن المجالس التشريعية للولايات الأمريكية والمدارس التى يسيطر عليها الحزب الجمهورى والتى تسعى حاليًا إلى حظر تدريس «نظرية العرق»، المشار إليها أعلاه، لها نفس النية. فيبدو أن معظمهم ليس لديهم فكرة واضحة جدًا عما تعنيه عبارة «أن تكون متعلما»، وبالتالى تم تفسير الحظر دائمًا على نطاق واسع وبطريقة خرقاء: لا ينبغى أن يدرس تلاميذ المدارس تاريخ العنصرية فى أمريكا؛ لا ينبغى أن يتعلموا عن العبودية؛ لا ينبغى السماح لهم بالتفكير فى العواقب طويلة المدى.
كثير من الناس، وليس فقط الجنرال ميلى، يعتنقون هذا الفكر «أن تكون متعلما». فقبل بضعة أشهر، أُجريت مقابلة مع تشارلز ميلز، الفيلسوف الذى ألف الكتاب الشهير «العَقد العنصرى»، ونُشر فى عام 1997، قدم قراءة نقدية (يمكنك تسميتها قراءة نقدية لمنظرى العرق) لهوبز، ولوك، وروسو، وكانط ــ مفكرو التنوير الذين توقعوا الديمقراطية الليبرالية، وجادلوا جميعًا (بصراحة) أن الحكومة الشرعية يجب أن تحظى بموافقة كل المحكومين. أشار ميلز إلى أن جميعهم تركوا السود وغيرهم من الأشخاص غير البيض خارج العقد الاجتماعى، ثم تحدث ميلز عن عواقب ذلك. سُئل ميلز عما إذا كان هذا يعنى أنه لا ينبغى أن نقرأ لهوبز ولوك وروسو وكانط. قال ميلز، على العكس من ذلك: «بالنسبة لى، إنها طريقة مثمرة أكثر من القول إن هؤلاء الرجال عنصريون ومتحيزون جنسيا لذلك ينبغى التوقف عن الحديث عنهم».
يضيف ميلز أنه ليس كل زملائه يفهمونه. فهم يقولون له: «لماذا تحاول الحفاظ على هذا التقليد حيا؟ يجب أن نتخلى عن هذه الطريقة لممارسة الفلسفة السياسية والبدء من جديد بشكل سليم». إلا أنه لم يوافق قائلا: «هناك ديناميكية داخل الليبرالية يفتقدونها. الميزة الكبيرة للديمقراطية الليبرالية على الأنظمة السياسية الأخرى هى أن قيادتها تتكيف وتتغير باستمرار، وتتحول لاستيعاب أشخاص وأفكار جديدة. الديمقراطيات الليبرالية لا تحاول، كما فعلت الماركسية السوفيتية ذات مرة، أن تجعل الجميع يتفقون حول كل شيء، طوال الوقت».
باختصار، للحفاظ على هذه المرونة، يتطلب المجتمع الديمقراطى الليبرالى تمامًا أن يتمتع مواطنوه ومواطناته بتعليم ليبرالى، تعليم يعلم الطلبة والعلماء والقراء والناخبين/ات الاستمرار فى النظر إلى الكتب والتاريخ والمجتمع والسياسة من وجهات نظر مختلفة. وإذا لم يعد أحد الحزبين السياسيين الكبيرين فى الولايات المتحدة يؤمن بهذا المبدأ ــ وإذا لم يكن بعض العلماء كذلك ــ فكم من الوقت يمكن أن نتوقع استمرار ديمقراطيتها؟

إعداد: ياسمين عبداللطيف زرد
النص الأصلى:

التعليقات