المعجزة وموقف الإسلام منها - رجائي عطية - بوابة الشروق
الثلاثاء 27 يوليه 2021 5:21 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع أن تكسر مصر رقمها التاريخي بتحقيق أكثر من 5 ميداليات أوليمبية في أولمبياد طوكيو؟

المعجزة وموقف الإسلام منها

نشر فى : الأربعاء 2 يونيو 2021 - 7:25 م | آخر تحديث : الأربعاء 2 يونيو 2021 - 7:25 م

الحديث عن المعجزات والأديان حديث مستمر، تختلط فيه حجج الصدق، وهى معجزات يسرها الله سبحانه وتعالى لأنبيائه ورسله، تعزز دعوتهم للإيمان بالله، واتباع سننه، وهى دعوات قوبلت دائمًا بالصد والإنكار والتكذيب، فكانت هذه الحجج برهانًا لهم للمنكرين والمكذبين ــ على أن ما أتوا به بعث وتكليف من الله عز وجل.
واختلطت أيضًا فى هذا التناول، معنى المعجزة. فما يعد معجزةً لأنه خارج مقدور وإمكانيات البشر، ليس بمعجزة على الله عز وجل، فإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون. ولذلك كانت حجج الصدق برهانًا على البعث، لأنها ليست فى مقدور البشر، وإنما هى آية على صدق التكليف الإلهى للرسل والأنبياء.
وما كان الأستاذ العقاد ليترك هذا الباب فى كتابه الضافى: «التفكير فريضة إسلامية»، فخصص له فصلا استهدف فيه بيان موقف الإسلام من المعجزة، والإطار الذى وضعها فيه، وهو يبدأ الفصل ببيان ما قيل فى شأن الفلك، حين سأل نابليون بونابرت العالم الفلكى الشهير
«لابلاس»: أين يجد مكان العناية الإلهية فى نظام السماوات؟ فأجابه لابلاس بأنه لا يجد مكانًا لما يسمى العناية الإلهية فى ذلك النظام.
ولست بحاجة إلى إثبات أن رد العالم الفلكى فيه اندفاع وعجلة، وفيه سطحية، ومصادرة على تأمل واجب ليستقيم الجواب على أى نحو شريطة أن يحمل أسانيده.
بيد أن الإنسان أيًّا كان نصيبه من المعرفة ـ يتعلم من القرآن المجيد أن المعجزة الإلهية حاضرة فى خلق السماوات والأرض تحدث بها فقال:
«إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (البقرة 164).
فكل ما نراه فى الكون معجزة تلفت النظر، وتدعو إلى العجب، ولكنها المعجزة التى يعمل العقل لاستيعابها وفهمها.. وليست المعجزة التى تبطل عمل العقول.
وهذا هو باختصار موقف الإسلام من المعجزات.
فالمعجزة التى تلتقى بالعقل موجودة، يلتقى بها من ينشدها حيثما التفت إليها، ولكنها ليست المعجزة المسكتة أو التى تسكت الفعل وتبطله، بل هى المعجزة التى تدعوه إلى إعمال العقل والتأمل والتفكير.
والدعوة إلى هذا التأمل والتفكير دعوة قرآنية، صريحة وواضحة، منها ـ تمثيلا لا حصرًا ـ قول القرآن المجيد: «إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأوْلِى الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (آل عمران 190، 191)
فالإسلام دين العقل، والتفكير فريضة فيه..
والمسلم يؤمن بالنواميس الكونية، وبأنها سنة الله فى خلقه «وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا» (الفتح 23).
ولكنه يؤمن كذلك بإمكان المعجزة لأنها ليست بأعجب مما هو حادث شاهد أمام الإبصار والبصائر، وليست هى بمحتاجة إلى قدرة أعظم من القدرة التى تشهد من بدائعها ما يتكرر أمامنا كل يوم وساعة.
وقد تُسمى المعجزة فى عرفه بخوارق العادات، وكان من خوارق العادات عند الأقدمين أن تبلغ الحركة ما صارت تبلغه من السرعة فى التجارب العصرية، التى جاوزت سرعة الصوت مرات، وقامت الأدلة العديدة عليها، ولم يعد مستحيلا عقلا أن يتم فى ثانية ما تعود أن يتم فى سنة!
فلا استحالة فى خوارق العادات، وأمثلة ذلك عديدة، ومن يدعى استحالتها فعليه أن يأتى بالدليل والبرهان..
* * *
وإذا كان العقل الإنسانى لا ينفى بالدليل المقنع وجود العقل الأبدى، فإنه ليس له أن يجزم باستحالة شىء مما يستطيعه ذلك العقل الأبدى من العلم بالأبد كله أو من القدرة على الإيحاء به إلى من يشاء أو من القدرة على خوارق العادات.
والإسلام إنما يضع المعجزة فى موضعها من التفكير والاعتقاد، فهى ممكنة لا استحالة فيها على الخالق المبدع لكل شىء، وهى معجزة لنا وفقًا لقوانيننا البشرية وليست معجزة له، فإنما أمره سبحانه إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.
ومن لا يؤمن بالآيات الواضحة فى الأرض وفى السماء، فلن تزيده الآية الخارقة إلاَّ ضلالا على ضلال.
وعقيدة المسلم فى الغيب وجملة الغيبيات، أنها شىء علمه عند الله، ولكنها لا تناقض العقل ولا تلغيه.
بقى أن أقول لكم، إن الله عز وجل أراد لنبوة الإسلام ؛ أن تكون نبوة فهم وهداية، لا تعتمد على إفحام العقول بالخوارق المفحمة المسكتة، وإنما هى نبوة هداية أراد الله تعالـى لهـا أن تخاطـب وتفتــح «العقــول» و«البصائر»، لا أن تفحمها وتقعدها عن النظر والتأمل والتدبر والتفكير والفهـم.. هذا المعنى الفارق توجيه قرآنى صادر بأمر ربانى صريح إلى النبى أن يبدى للناس أنه ليس إلاّ بشرا رسولا اصطفاه ربه لحمل وأداء الرسالة ـ «قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولا».؟ (الإسراء 93).. هذا الأمر الربانى ببيان جوهر الرسالة المحمدية، ورد فى معرض نقد تعلق الناس بالخوارق الحسية التى ثبت بتجارب البشرية أن مآل أثرها إلى الانقضاء والانطمار.. فى ذات سورة الإسراء، تنبيه واضح إلى الفارق الجوهرى بين نبوة هداية، وبين التعلق الضرير بالخـوارق الحسية !.. تقول الآيات الحكيمات: «وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَـا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَـى فِـى السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولا».. فى تماحى أثر الخوارق، وتلمس المكابرين التعلاّت والأسباب للتملص منها، يقول القرآن المجيد: «وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ» (الحجر 14، 15).. فليست الخوارق مما يغنى فى دعوة المكابر المعاند المفتون، ولا هى أداة الدعوات لمواجهة ما يأتى به قابل الأيام!!
لذلك أراد الإسلام لنبوة القرآن أن تكون نبوة فهم وهداية تدعو بكتابها المبين إلى النظر والتأمل والتفكير، وليست نبوة استطلاع وتنجيم وخوارق وأهوال.. النبى ليس منجمًا ولا عالمـًا بالغيب، وليست النبوّة نبوّة سحر أو رؤى أو أحلام أو قراءة طوالع وأفلاك.. «قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِى السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (الأعراف 188).. لذلك حرص رسول القرآن أن ينحى عن أذهان الناس سمعة المعجزة المسكتة عندما جاءته ميسرة يوم كسفت الشمس وظن الناس أنها كسفت لموت ابنه إبراهيم، فأبى عليهم ذلك، ونبههم إلى أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تخسفـان لمـوت أحد ولا لحياته.. ومع تعدد ما ورد فى المأثورات عن المعجزات والآيات التى صاحبت مولد محمد عليه السلام وطفولته، إلاّ أن عنايته الكبرى كانت بلفـت انتبـاه الناس إلـى معجـزة القـرآن وما ينطوى عليه من آيات ومدد لا ينقطع.
والقرآن المجيد، حجة الإسلام الباقية إلى يوم الدين، خاطب العقل كما خاطب الوجدان والضمير، فى منهاج عميق دعا إليه حتى فى مسائل الإيمان والعقيدة.. «إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأوْلِى الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (آل عمران 190، 191) هذا التأمل المتعبد الفاهم الواعى، هو قوة دفع ذاتية بآلية دافقة لا تنقطع.. تكفل للمتأمل فيها ديمومة المدد والأثر الفاعل فى الهداية والاستمساك بالعروة الوثقى إلى ما شاء الله رب العالمين.
Email:rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

التعليقات