الأطباء والحكومة.. وأفراس النهر - أحمد حسين - بوابة الشروق
الأربعاء 23 أكتوبر 2019 7:44 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في منع القانون المصري إعدام القاتل الأصغر من 18 عاما؟


الأطباء والحكومة.. وأفراس النهر

نشر فى : الخميس 2 مايو 2019 - 8:40 م | آخر تحديث : الخميس 2 مايو 2019 - 8:40 م

أوفد ملك الهكسوس عاقنن رع أبو فيس رسولا إلى أمير طيبة الملك سقنن رع ــ والد أحمس، يخبره أن أصوات أفراس النهر فى طيبة تزعج ملك الهكسوس فى عاصمته أواريس والتى تبعد عن طيبة أكثر من 500 ميل، وأنه إن لم تكف تلك الأصوات سيرسل من يبيدها.. بالطبع كان ذلك استفزازا من ملك الهكسوس وذريعة لإعلان الحرب.

تذكرت تلك القصة عند معايشتى لأحداث الوسط الطبى هذه الأيام، والأزمات بين الأطباء ونقابتهم من ناحية والحكومة من ناحية أخرى، الفارق أن معسكر الأطباء لا يملك ما يُزعج الحكومة، فقط بيانات ومخاطبات فى مراسلات أو تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعى بين استنكار ورجاء، فقد سكن القطاع الطبى أو خنع لأوضاع معيشية أقل ما توصف بها أنها غير عادلة.. يرى الأطباء أن الحكومة هى من تزعجهم أو تستفزهم.

أحدث تلك الأزمات هى امتناع جهات عمل الأطباء عن ضم (عام الامتياز) للأطباء الجدد إلى سنوات الخبرة والأقدمية فى العمل، وتتوارد شكاوى الأطباء إلى نقابتهم التى تبدأ فى مراسلات إلى الجهات المختلفة، تُصدر بعدها وزارة الصحة ومركز المعلومات بمجلس الوزراء بيانات قاطعة تنفى عدم ضم عام الامتياز ووصف الأقاويل عن ذلك بأنها شائعات غرضها إثارة غضب الوسط الطبى، وتجتمع وزيرة الصحة مشكورة مع بعض الأطباء الجدد تطمئنهم وتعدهم بصدور قرار واضح بضم عام الامتياز، إلا أنه عند قيام الأطباء بالتقدم برغباتهم للتكليف والتعيين فوجئوا بعدم صدور القرار الذى وعدتهم به الوزيرة، فيقرروا تأجيل تسلّمهم العمل، والنتيجة بقاء وحدات صحية خالية من الأطباء وأخرى ينتظر العاملون بها الإخلاء إلى مرحلة العمل بالمستشفيات لدراسة التخصص، أيضا خاصية أخرى انتقصتها وزارة الصحة من أطباء تكليف مارس 2019، وهى عدم تكليف الطبيبات فى محافظات إقامتهن وعددهن ألف طبيبة من بين ثمانية آلاف وأربعين، وذلك كما المعهود فى الدفعات السابقة، فهل من المنطقى أن نتوقع انتظام طبيبة من القاهرة فى العمل بقرى محافظة أسيوط!

يتوافق حديثا د. إيهاب الطاهر ود. منى مينا ــ عضوى مجلس نقابة الأطباء ــ عن المشكلة: (خاطبت النقابة العامة للأطباء الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة بشكاوى الأطباء بعدم موافقة مديريات الصحة على ضم عام الامتياز ضمن سنوات الأقدمية والخبرة فى العمل كما المعهود، إلا أن الجهاز المركزى رد بخطاب فى 25 نوفمبر الماضى فيه «لا يجوز النظر فى ضم مدة الامتياز للأطباء المقيمين بعد العمل بقانون الخدمة المدنية نظرا لخلو القانون من نص يُنظم ضم مدد الخبرة العملية أو العلمية»، وللأسف لم يصدر قرار من وزارة الصحة بعد تصريحاتها يُؤكد على ضم مدة الامتياز).. يضيف د. ابراهيم الزيات نقيب أطباء الدقهلية ردا على دفاع الجهاز المركزى (يوجد قانون خاص رقم 47 لسنة 1965 فى شأن معاملة خريجى كليات الطب أثناء سنة التدريب الإجبارى ينص على أنه تحتسب مدة التدريب الإجبارى بالنسبة إلى خريجى كليات الطب فى أقدمية الوظيفة ومدة الخبرة فى العمل المنصوص عليها فى قوانين ولوائح التوظف والمعاشات).

من المعلوم والمُوكد قانونيا أن القانون الخاص يُلغى ما يُماثله أو يُعارضه فى القانون العام، أى أن هذا القانون المُشار إليه هو ما يسرى فى قواعد احتساب مدة الامتياز وليس قانون الخدمة المدنية كما دفع الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة، فهل يستحق مصير أكثر من ثمانية آلاف طبيب وطبيبة أن تنسق وزارة الصحة مع الجهاز المركزى لحل تلك الأزمة؟.. بقى أن يعرف القارئ أن هولاء الأطباء قضوا بعد أكثر من ستة أعوام دراسة عام الامتياز هذا براتب متوسطه 400 جنيه شهريا للتدريب والعمل فى أقسام المستشفى المختلفة دون أية مظلة تأمينية تغطى حتى علاجهم إن مرضوا!

***
لم تقصر الحكومة الأزمات على شباب الأطباء فقط، فقد تكفلت وزارة التضامن الاجتماعى بمتقدمى العمر وأواسطه منهم فى أزمة متزامنة يشرح بعض تفاصيلها د. أسامة عبدالحى وكيل نقابة الأطباء (قرار وزارة التضامن بعدم صرف المعاشات للأطباء إلا بعد توقفهم التام عن مزاولة المهنة وقيدهم فى جدول غير المشتغلين بالنقابة أحدث مشكلة وردود أفعال غاضبة بين الأطباء، عندما صدر قانون الخدمة المدنية وجاء فيه إمكانية تقدم أى موظف فى الدولة ومنهم الأطباء للمعاش المبكر ابتداء من سن الـ 50 وعلى الحكومة توفير الاعتمادات الخاصة بمكأفاة نهاية الخدمة والمعاش، تقدم بالفعل عدد من الأطباء بطلب المعاش المبكر لكنهم فوجئوا أن وزارة التضامن أصدرت قرارا بعدم أحقيتهم فى المعاش طالما لديهم عيادة أو يعملون فى مستشفيات خاصة وعليهم الانتظار حتى إتمام سن الـ 65 أو يتوقفوا عن ممارسة الطب، المعاش المتقاضى من الدولة ليس مساعدة منها وإنما هى أموال تم خصمها من الموظف طيلة فترة حياته المهنية، كيف يكون حصول الطبيب دون الستين على معاشه المستحق مشروط بألا يعمل فى عيادة أو مستشفى خاص، كيف يعيش الطبيب بمعاش يتراوح من 1600 إلى 1800 جنيه فى الشهر دون عمل خاص!).

بغض النظر عن مسلمة أن المعاشات ليست هبة من الحكومة وتستقطع من راتب الموظف، فهل تراجعت الحكومة عن تحفيز العاملين على تسوية معاشاتهم مبكرا فاصطنعت وزارة التضامن هذا القرار حتى يتراجع العاملون عن ذلك، وهل كانت إعلانات مديريات الصحة فى المحافظات المختلفة عن التعاقد مع أطباء حتى سن الـ 65 فخا لسلبهم معاشاتهم الحكومية، وإن ترك الطبيب مهنته وافتتح دُكانا لبيع الحلوى فهل ستعتبره وزارة التضامن الاجتماعى من أصحاب المهن الحرة فلا يستحق معاشا عن عمله الحكومي!.. الأطباء يتهيئون لإقامة دعوى قضائية فأصبحت الشكوك لديهم فى حلول عادلة من الحكومة ترقى إلى اليقين.

***
كمواطن لا يعنينى سوى أن أجد فى مرضى طبيبا مؤهلا ليس عبوسا يُقدم لى خدمة مُرضية، ولكن هل تلك الأزمات المتوالية على الساحة الطبية تخلق هذا الطبيب؟!

هل ما زال مُتاحا أن يُتغاضى عن حروب التصريحات والبيانات وألا نُزيد ساحات القضاء ازدحاما، فتجلس الحكومة مع الأطباء ونقابتهم لتخرج بحلول عادلة مقبولة للأزمات المتفجرة.. ظنى أنه ممكن ومُتاح فقط شريطة أن تتيقن كل الأطراف أنها تعيش فى قطر واحد يقطنه شعب واحد ويتذكر الجميع أن أحمس طرد الهكسوس.

التعليقات