الحرب الباردة الجديدة (١) - علاء الحديدي - بوابة الشروق
الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 4:50 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بالتزامن مع عرض بيانها على البرلمان.. ما تقييمك لأداء حكومة مصطفى مدبولي؟

الحرب الباردة الجديدة (١)

نشر فى : الإثنين 2 أبريل 2018 - 10:40 م | آخر تحديث : الإثنين 2 أبريل 2018 - 10:40 م

جاءت عمليات الطرد المتبادل للدبلوماسيين بين روسيا من ناحية وبين الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة من الناحية الأخرى، لتعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة. فهل نحن بصدد الدخول فى حرب باردة جديدة بين روسيا ــ وريثة الاتحاد السوفيتى السابق ــ وبين الولايات المتحدة وحلفائها من الدول الغربية؟ وما شواهد ذلك؟
من المعروف أن الحرب الباردة السابقة انتهت بانهيار الاتحاد السوفيتى فى ديسمبر ١٩٩١، أى منذ قرابة ربع قرن، شهدت خلالها العلاقات بين واشنطن وموسكو (وريثة الاتحاد السوفيتى) جو من الوئام بعد انكفاء الأخيرة على نفسها وانشغالها بقضاياها الداخلية، وتقلص اهتمامها بالقضايا الخارجية، وهو ما أدى إلى تراجع دورها وانسحابها من المنافسة على مناطق نفوذ فى العالم. وبمعنى آخر تركت الساحة بلا منافسة للولايات المتحدة والدول الغربية، حتى إن البعض تحدث عن نهاية التاريخ كناية عن الانتصار النهائى والأبدى للنظم الغربية الديمقراطية الليبرالية على ما عداها من النظم الأخرى. وجاءت أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١ لتوطد العلاقة بين العدوين السابقين فى مواجهة الخصم المشترك ممثلا فى الإرهاب «الإسلامى» الذى كان يمارس عملياته فى نيويورك وموسكو على السواء. وأتذكر هنا عندما كنت سفيرا فى موسكو ما بين أعوام ٢٠١٠ و٢٠١٢، كيف كان المسئولون الروس يحرصون على ذكر أن «الأصدقاء» الأمريكيين يتفقون معهم فيما يخص بعض القضايا الدولية. وهو الأمر الذى لا أشك فى أنه تغير بعد ذلك بعودة موسكو للعب دورها على الساحة الدولية وتضارب المصالح مرة أخرى مع الغرب.
هذا التضارب فى المصالح ظهر بشكل واضح وحاد فى التدخل العسكرى الروسى المباشر فى جورجيا فى عام ٢٠٠٨، ثم أوكرانيا فى ٢٠١٤ وأخيرا فى سوريا فى عام ٢٠١٥. ولكن الأهم من هذا التدخل العسكرى الروسى فى البلدان سالفة الذكر هو عودة الشك وعدم الثقة فى نوايا الآخر، وتجديد الاتهامات للاستخبارات الروسية بأنها تسعى للتأثير على الحكومات ودول الغرب بجميع الطرق المشروعة وغير المشروعة. ويأتى فى هذا الإطار الاتهامات التى طالت موسكو بأنها تدخلت فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية بشكل سافر، فضلا عما يحوم من شكوك حول ما يمكن أن تكون موسكو قد قامت به للتأثير على نتائج الانتخابات الألمانية والفرنسية، ناهيك عن الاستفتاء الذى تم فى بريطانيا حول استمرار عضويتها داخل الاتحاد الأوروبى.
يضاف لما سبق، تبنى الرئيس الروسى فلاديمير بوتين خطابا قوميا منذ وصوله إلى الكرملين، معربا عن رأيه فى أن انهيار الاتحاد السوفيتى يعد أكبر كارثة جيواستراتيجية حلت فى القرن العشرين، الأمر الذى تم تفسيره بأنه يحاول استعادة بناء الدولة القديمة. ومع نجاح بوتين فى إعادة بناء الدولة، وتنامى الدور الروسى مجددا كما سبق الإشارة إليه وخاصة فى أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، فقد أدى ذلك بطبيعة الحال إلى زيادة حدة القلق لدى الغرب من تصاعد النفوذ الروسى مرة أخرى ومحاولة استعادة ما فقده من مناطق نفوذ وخاصة فى شرق أوروبا. ولم يتوقف الأمر بطبيعة الحال عند ذلك، فكل خطوة أصبحت تقابلها خطوة مضادة، وكل انتقاد أو حملة إعلامية يقابلها ما يماثلها من الجانب الآخر فى خطوات تصعيدية متبادلة تتجه فى كل مرة إلى مزيد من التصعيد والتوتر.
وكان آخر هذه الخطوات من الجانب الروسى وقبل الأزمة الدبلوماسية الأخيرة ما جاء على لسان الرئيس بوتين فى خطابه أمام جلسة مشتركة لأعضاء البرلمان الروسى بمجلسيه قبل الانتخابات الرئاسية فى مارس الماضى عن امتلاك روسيا لأسلحة استراتيجية جديدة ستقلب موازين القوة فى العالم. وكان أهم هذه الأسلحة صاروخ فائق السرعة «يستطيع أن يصل إلى أى مكان فى العالم» ولا تستطيع الدفاعات الأمريكية ممثلة فى الدرع الصاروخية من التصدى له، وبما يمنح روسيا ميزة على غريمتها الأمريكية ويخل بتوازن القوة القائم بين الدولتين المتنافستين. وهو الأمر الذى لن تقبله الولايات المتحدة إطلاقا وستعمل بكل جدية وسرعة على تصحيحه، وبما يفتح الباب على مصرعيه لسباق تسلح جديد مثلما كان الحال فى عنفوان الحرب الباردة.
هذا وعلى الجانب الآخر، وعلى الرغم من وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وهو الذى يجاهر صراحة بإعجابه الشخصى بالرئيس بوتين، ودعا فى حملته الانتخابية إلى تحسين العلاقات مع موسكو، إلا أنه رضخ فى النهاية لرأى المؤسسات الأمريكية حين أعلن عن استراتيجية الأمن القومى الأمريكى فى شهر ديسمبر الماضى. هذه الاستراتيجية الأمريكية الجديدة أعادت روسيا، ومعها الصين، كالخطر الرئيسى الذى يجابه الولايات المتحدة، وهو ما يعنى تراجع خطر الإرهاب للمرتبة الثانية بعد أن كان يحتل المرتبة الأولى لأكثر من عقد من الزمان. ويضاف لذلك أخيرا رحيل كل من ريكس تيلرسون وزير الخارجية وهربرت مكماستر مستشار الأمن القومى وتعيين اثنين من الصقور الجمهوريين مكانهما، هما مايك بومبيو وجون بولتون على التوالى. ومن المعروف أن بولتون يؤمن بحق الولايات المتحدة فى استخدام قوتها العسكرية وعدم الاكتفاء بمجرد التلويح بها. الأمر الذى يؤشر لاتجاه الإدارة الأمريكية الحالية لاتخاذ المزيد من الخطوات التصعيدية والأكثر تشددا إزاء روسيا.
وسط هذه الأجواء المشحونة جاءت محاولة قتل العميل الروسى المزدوج سيرجى سكريبل وإبنته يوليا فى سالسبيرى بالممملكة المتحدة فى ٤ مارس الماضى باستخدام غاز أعصاب لا يملكه سوى الروس. وكان ذلك كافيا من وجهة نظر الغرب لتوجيه أصابع الاتهام لموسكو. وكما تابعنا جميعا فى الأخبار تسارعت وتيرة تبادل طرد الدبلوماسيين من كلا الطرفين حتى وصل العدد إلى ٣٠٠، ١٥٠ لكل جانب. ومع تصاعد الحرب الكلامية وارتفاع درجة التوتر السياسى بدأ الحديث يتواتر عن حرب باردة جديدة على الرغم من أجواء التفاؤل التى سادت قبل أسابيع قليلة من الإعلان عن عقد قمة كورية شمالية أمريكية فى شهر مايو القادم، وبما قد يفضى إلى نزع فتيل الأزمة النووية الكورية. ولكن مع بزوغ الدور الروسى مجددا، وقلق الغرب من هذا الدور، فإن حادثة العميل الروسى لا تمثل سوى حلقة فى مسلسل العلاقة المضطربة بين روسيا والغرب، والتى لم تكتمل فصولها بعد. فكيف ستختلف الحرب الباردة الجديدة عن الحرب السابقة؟ هذا ما سنتناوله فى المقال القادم إن شاء الله.

السفير علاء الحديدى

التعليقات