الحدود الكوكبية للعمران فى مصر - نبيل الهادي - بوابة الشروق
الإثنين 21 يونيو 2021 12:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

الحدود الكوكبية للعمران فى مصر

نشر فى : الثلاثاء 2 مارس 2021 - 7:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 2 مارس 2021 - 7:25 م

بعد تسعة أعوام من بداية الألفية الثالثة نشرت مجموعة من تسعة وعشرين عالما بقيادة يوهان روكستروم فى مجلة نيتشر واحدا من أهم الأبحاث العلمية التى ظهرت فى العقود القليلة الماضية تحت عنوان «الحدود الكوكبية: استكشاف المساحة الآمنة لعمل الإنسانية». ويركز البحث على تلك الحدود التى يجب علينا ألا نتخطاها حتى يمكن أن نحمى الأنظمة البيئية التى تجعل الحياة ممكنة على كوكبنا. وقد رصد هذا البحث تسعة حدود يمكن قياسها مثل الحد الخاص بالمياه العذبة والحد الخاص بالتغير المناخى والحد الخاص بالتنوع البيولوچى والحد الخاص بحمضية المحيطات والحد الخاص بتغير استخدامات الأراضى والحد الخاص بتدفق العناصر الداخلة فى الكيمياء الحيوية الأرضية وخاصة الفوسفات والنيتروجين.
فى وقت ظهور ذلك البحث قدر العلماء أننا تخطينا بصورة خطيرة الحد الخاص بالتنوع البيولوجى كما تخطينا أيضا الحد الخاص بالتغير المناخى والذى يقاس بتركيز ثانى أكسيد الكربون وما يكافئه فى الغلاف الجوى. كما أننا أيضا تخطينا الحد الخاص باستخدام الفوسفات والنتروجين وهما العنصران المستخدمان بكثرة فى العديد من الأنشطة وعلى رأسها فى الأسمدة الزراعية.
***
تتمثل الأهمية الرئيسية للبحث فى أنه سيؤدى إلى تحول جوهرى فى مفهومنا ومقاربتنا لـ«النمو». وهو ما بدأ فى الظهور فى بداية العقد الثانى لهذه الألفية فى الكتابات والنظريات الاقتصادية والتى تدعو ليس فقط لمراجعة مفهوم النمو وارتباطه بالناتج الإجمالى القومى ولكن يقدم بعضها أيضا بدائل تبدو واعدة للغاية لنموذج اقتصادى بديل يدعم النشاط البشرى المستدام والذى تمثل له تلك الحدود الكوكبية سقفا لا يجب أن يُتخطى حتى يمكن للحياة أن تستمر على الأرض لأن الاستمرار فى الأنشطة القائمة فى ظل النظام الاقتصادى الذى نشأ منذ الثورة الصناعية والذى توحش من نهاية ثمانينيات القرن العشرين سيوصلنا لما يعرف بنقاط عدم الرجوع والتى ستتسبب فى انهيار للنظم البيئية وبالتالى الأنشطة الاقتصادية.
وبالرغم من النقد الذى يوجه لهذا البحث من تجاهل العلاقات البينية بين الحدود الرئيسية التى أشار إليها هذا التقرير وعدم مشاركة باحثات بالعدد الكافى أو مشاركة باحثين من مناطق العالم الجنوبى إلا أن الدراسة لا تزال علامة فارقة ومهمة فى التعامل مع ما يسمى بالتنمية المستدامة وفى النقاش حولها وخصوصا فى تبعات ذلك على الاقتصاد العالمى والمحلى وتعاملنا مع البيئة الطبيعية.
كان اهتمام الدراسة وتركيزها على كوكب الأرض ككل وكيف يمكن إنقاذه ولكن لتحويل ذلك إلى خطة عمل نحتاج إلى فهم ما يعنيه ذلك لكل دولة وأيضا نحتاج أن نفهم ذلك على المستويات الأدنى المحلية والإقليمية حتى يمكن الوقوف على التحديات الخاصة بكل مستوى ومكان بصورة أدق بما يسمح بتوضيح الأولويات ورسم السياسات والخطط العاجلة لمواجهتها.
من أوائل الجهود التى بدأت فى دراسة وضع تلك الحدود فى الدول المختلفة ما بدأته، فى الصيف الماضى، جامعة ليدز البريطانية حيث قامت ليس فقط بتقييم لوضع الحدود الكوكبية للدول ولكنها ربطتها بتقييم أولى لوضع ما يسمى بالأرضية الاجتماعية أو ما يسمى بالحدود الدنيا المقبولة التى تسمح بتوافر ما يليق من الخدمات الخاصة بالصحة والتعليم والماء والأمن والتوظيف وغيرهم من نحو اثنا عشر مجالا. فيما يخص مصر وبالرغم من حاجة هذا التقويم إلى مراجعة ونقد وتطوير من قبل علمائنا معتمدين على البيانات الدقيقة ومستخدمين علوما وقدرات متطورة فى النمذجة الحاسوبية، تظهر الدراسة أننا تخطينا بصورة خطيرة حدين من الحدود الكوكبية أحدهما خاص بالمياه العذبة والآخر خاص بالتغير المناخى ولكننا أيضا اقتربنا أحيانا للغاية من السقف المحدد لبعض الحدود الأخرى.
وبالرغم من أهمية تعيين تلك الحدود على المستوى القومى للمساعدة فى تطوير رؤية متكاملة على مستوى الوطن ولكن يبقى التحدى الأكبر فى فهم وضع تلك الحدود فى النطاقات الأصغر وخاصة المدن حيث يمكن أن يساعد ذلك فى بناء رؤية وخطة للنمو المستدام تتعامل بجدية مع الاختلالات البيئية الخاصة بذلك المكان. ونتيجة لتوافر قاعدة بيانات دولية قوية فيما يخص التغير المناخى فقد أصبح لدى بعض الزملاء الباحثين فى بعض الجامعات والمراكز البحثية القدرة على استنباط السيناريوهات الخاصة بالتغير المناخى فى المدن المصرية، وبالرغم من أننى لا أدرى إن كان هذا متوافرا لكل المدن المصرية لكننى أعرف أننا مازلنا بحاجة لتطوير أدوات المراقبة وجمع المعلومات على الأرض حتى يمكن بناء نماذج حاسوبية أدق يمكن أن تساعد فى بناء وفهم السيناريوهات المحتملة بصورة أدق. ولكننا أيضا بحاجة للعمل على الحد الخاص بالمياه العذبة المتجددة فى المناطق المختلفة لأن فهم التحديات الخاصة به وهى كثيرة ومركبة للغاية ولاشك أنها ستستدعى اللجوء للعديد من الابتكارات لمواجهة تلك التحديات والتى تختلف من منطقة جغرافية وأيكولوجية إلى أخرى. كما نحتاج لدراسة التدفقات الخاصة بالفوسفات والنيتروجين فى الأماكن المختلفة وأيضا نحن بحاجة لدراسة مبنية على عينات من الطبيعة لقياس دقيق لحمضية البحار وخاصة البحر الأحمر لما لها من دلالات هامة للغاية يمكن أن ترشدنا فى التعامل مع النشاط السياحى وخاصة فيما يتعلق بالشعاب المرجانية.
***
رغم أننا نحاول منذ بعض السنوات أن نستخدم فى دراسة كل منطقة نتناولها ما يتوافر من معلومات خاصة بالحدود الكوكبية ولكننا ما نزال نكافح لفهم بعض تلك الحدود وخاصة فيما يخص المياه المتجددة من خلال ما يتوافر من بيانات. ولكننا كلما تقدمنا فى دراستنا للوصول لما يمكن تسميته الاقتصاد المتجدد يظهر لنا مقدار الدراسات والأبحاث المطلوبة.
لا نملك الوقت الذى يمكننا من انتظار نتائج الأبحاث ولكننا نسعى لأن نطور منهجا يمكننا من أن نبدأ باستخدام ما نعرفه حاليا وهو ما قد يمكننا من القيام ببعض التجارب الأولية وذلك بالتوازى مع القيام بالدراسات المستندة إلى بيانات دقيقة يتم مراجعتها وتحديثها بصورة مستمرة. وهى استراتيجية تعتمد مقاربة شبيهة لتلك التى تعتمدها منظمة الصحة العالمية فى مواجهة كورونا والتى تؤكد على الفعل ولكنها أيضا تؤكد على أهمية الأبحاث والدراسات للوصول للغاية المرجوة.
التعامل مع الحدود الكوكبية يتطلب العمل بجد للتحول لحياة مستدامة لصالح كل أفراد المجتمع ويتطلب هذا التحول العديد من الابتكارات التقنية المحلية وأيضا الابتكارات الاجتماعية التى تعمل على إقناع وتحفيز وإشراك المواطنين ليس بطريقة الأخ الأكبر ولكن بطرق أخرى تضاف إلى تعليم يدعم بناء شخصيات مستقلة وناقدة. ولا نملك رفاهية تجاهل هذا التحول الضرورى لأننا إن لم نبدأ فى أقرب وقت فربما كان للطبيعة رأى آخر فى مدى استحقاقنا للبقاء.

التعليقات