الشيخ قنطرة والثورة - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 16 مايو 2021 2:45 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


الشيخ قنطرة والثورة

نشر فى : السبت 2 فبراير 2019 - 11:35 م | آخر تحديث : الأحد 3 فبراير 2019 - 1:13 م

أشخاص تلتهي بمراقبة عنكبوت يتدلى من السقف أو بق الفراش يمشي فوق اللحاف أو مسيرات النمل بين الجحور أو برص معلق على الحائط، وفي الخلفية تأتينا من بعيد، بين فينة وأخرى، أصوات متظاهري ثورة 1919، وكأننا في بلدين مختلفين. برع الدكتور مصطفى مشرفة في وصف حياة ربع شيخ العطارين بحي عابدين بشكل دقيق ونابض بالحياة، وذلك في روايته الرائعة التي كتبت بالعامية المصرية في مطلع القرن الفائت: " قنطرة الذي كفر". أعادت دار بتانة نشر الكتاب مع دراسة وتقديم قام بهما الناقد الأدبي الدؤوب شعبان يوسف، مع إضافة مقالات نقدية ليوسف إدريس ومحمد عودة وإبراهيم أصلان وفريدة النقاش وآخرين، تعليقا على هذا العمل الذي يعد من أروع ما كتب عن ثورة 19، ونحن نحتفل بمئويتها هذا العام.
لم تر هذه الرواية النور قبل سنة 1965، رغم أنه تم الانتهاء منها قبل ذلك بسنوات طوال. وقد أصر كاتبها، الباحث والأكاديمي البارز المتخصص في التاريخ والأدب أن تكون بالعامية، لغة الأزقة والحارات لتعبر عن نبض الشارع وعن من لا يتكلمون لغة الضاد.
أهل الربع وسكان حجراته يمثلون قاع المجتمع، تائهون بين الحلال والحرام، تمتزج نفوسهم بالخير والشر، يلخصون كل تناقضات الشعب المصري حتى الآن. وحين يتكلمون عن أنفسهم نشعر وكأننا نقابلهم كل يوم، فعلى سبيل المثال لا الحصر يقول بطل الرواية الرئيسي الشيخ عبد السلام قنطرة، خريج دار العلوم: " ليه طول عمري أنا كده جبان؟ ليه يا عبد السلام يا أخويا إنت دايما كده خواف؟ له حق الدكتور سليمان لما بيقول إحنا المصريين عايشين بالجبن عشان اكتشفنا إن الخنوع بينجد حياتنا. الألمان شجعان، اكتشفوا إن الشجاعة بتنجد حياتهم، وإنهم ناس همج". وفي موضع آخر يصارح نفسه، وهو يحلم بأن يحظى بوظيفة مدرس لغة عربية في مدرسة الناصرية الأميرية، ولا مانع لديه في ممارسة القليل من الانتهازية: "أنا وفدي وفدي... وبعض ساعات بأمشي في المظاهرات، لكن لا المظاهرات ولا الوفد ح ينفعوني، فخلينا في قصيدتنا لأن دي تأكلني عيش. وزي ما أنا عارف الناس دول بينفعوا البلد وكل حاجة لكن الواحد ما يقدرش يدفع اللي عليه لبُحلق لا بالمظاهرات ولا بوفديته.. أكل العيش عايز كده".
***
كانت ثورة 19 قائمة، إلا أن أهل الربع لا دخل لهم بالحياة السياسية، لهم "جو مخصوص ووحدة وسياسة محلية". أناس عاديون ليست لهم ملامح بطولية، يلعبون طاولة الزهر على المقاهي، والمظاهرات على قدم وساق. "لا نفي سعد باشا ولا ثورة 19 هزت الربع قد ما هزته بقجة فاطمة الدلالة. وتاني يوم اتفرع من الخناقة دي خمس خناقات". نكاد نسمع خناقات أهل الربع حول تفاصيل الحياة اليومية عبر شباك المنور من فرط براعة التصوير، وقد تدلت رؤوس السيدات من الشبابيك كل واحدة منهن بربطة شعر تناسبها، وتستمر وصلات "الردح" حتى أن القطط وقفت تتفرج.
كان الأستاذ محمد عودة هو من عاش في هذا الربع، في فترة من حياته عندما قام بمسح أدبي لسكانه وأحداثه، لذا كان المكان الفقير هو مصدر إلهامه هو وأستاذه- مصطفى مشرفة- الذي أراد أن يكتب قصة تجعل كل مصري يحب ويحترم نفسه أو بمعنى آخر أراد أن يصف حالة شعب يغير من نفسه ويولد من جديد. وهو ما فعله في النصف الثاني من الرواية، ولكن في عجالة شديدة، فلم يعط تحولات البشر حقها، ربما لظروفه الصحية الصعبة، إذ كان مصابا بنوع من الالتهاب المفصلي الذي جمد مفاصله كلها فصار ينام مستلقيا ليل نهار.
كان يمكن بالطبع أن يغوص أكثر في نفسية الشيخ عبد السلام الذي استلهمه من زميل له، فنفهم كيف تحول مع ذهابه لفرنسا في بعثة لدراسة الاجتماع والفلسفة، وبدأ يقرأ في الاشتراكية ويتخذ موقفا نقديا من الأديان ومن المسائل الوطنية، وهو ما إذا تعرض له أحد الكتاب حاليا بهذه الجرأة لحاصرته مشاكل جمة.
***
الشيخ قنطرة أراد أن يفسر العلاقة بين اسمه عبد السلام قنطرة والممر الذي يطلق عليه "قنطرة الذي كفر"، فوضح ضاحكا: " أنا ما كفرتش أوي، لكن حأقولك السبب في تسمية الممر اللي بيوصل شارع الجماميز بشارع الخليج، لأن كان في واحد فرنساوي اسمه (كفراللي) وبعد مدة انقلبت إلى (اللي كفر)، الممر اسمه (قنطرة الذي كفر)". انضم الشيخ عبد السلام إلى صفوف المقاومة وانخرط في الثورة كغيره من أهل الربع، وانتحر في النهاية لأنه لم يغفر لنفسه الفترة التي صار فيها قوادا وانتهازيا، وأنه تسبب في موت إحدى جاراته في الربع.
ثورة 19 كانت بمثابة عودة الروح للشعب الذي استرد احترامه لنفسه، حتى بعد موت سعد زغلول، إذ شعر الناس بنسيم الحرية، "وكانت ككل الثورات الشعبية يتبعها نهضة في التعليم والمسرح والفنون". وهو ما جعل الدكتور مشرفة ينظر لطلبته في المدرجات ويتخيل من منهم سيكمل المشوار، كما كان يسرد لتلميذه محمد عودة: "جيلنا ابتدا وانتم ح تكملوا.. تعرف أنا ساعات أقعد أتأمل وأقول يا ترى مين في دول اللي ح يعملها.. مين اللي حيضرب الرصاصة الأولانية". وها نحن نحتفل بمئوية ثورة 19 التي لم تنته بأن تكون مجرد ثلاثة أسطر في كتاب تاريخ، وكان هذا هو تخوف مصطفى مشرفة الأساسي.

التعليقات