«السور العظيم».. حكاية ممتعة عن الثقة والجشع - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الإثنين 18 نوفمبر 2019 10:26 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

«السور العظيم».. حكاية ممتعة عن الثقة والجشع

نشر فى : الخميس 2 فبراير 2017 - 9:00 م | آخر تحديث : الخميس 2 فبراير 2017 - 9:00 م

أن يحمل فيلم اسم المخرج الصينى الكبير «زانج ييمو» صاحب الأفلام التى لا تنسى مثل «ارفعوا المصابيح الحمراء»، و«كيو جو»، وأن تكون للفيلم ميزانية ضخمة تقدر بنحو 150 مليون دولار، وبمشاركة مع الولايات المتحدة، فإن الأمر كان مستحقا للاهتمام والفحص، وأقول بعد المشاهدة إن ييمو قد نجح بامتياز فى امتحان فيلمه الضخم «السور العظيم» الذى قام ببطولته النجم الأمريكى مات ديمون، وكان هذا النجاح متعدد المستويات.


الفيلم متقن الصنع بأفضل ما تسمح به تلك النوعية من أفلام الحركة والمغامرات الأسطورية، وبشكل ينافس ما تقدمه أعمال كبرى فى هذا النوع، ولكن فيلم «السور العظيم» يتفوق على كثير من هذه الأفلام فى أنه يحمل معانى مهمة للغاية، إنه ليس فى الحقيقة فيلما عن سور الصين العظيم، والأساطير المتعلقة بمحاولات هدمه، رغم أن السور، مكانا وصورة، يلعب دورا محوريا فى معظم المشاهد، كما أن الوحوش التى تريد اختراق السور حاضرة طوال الوقت، ولكن المعنى الأعمق للفيلم أكثر أهمية وذكاء: إنها حكاية عن سور آخر هو وحده الذى يمكن أن يحمى الإنسان والدولة، سور من الثقة فى الآخر الذى يمكن الاعتماد عليه، وسور من محاربة الجشع الذى كان يمكن أن يدمر العالم.


ليست الحكاية مجرد صراع لا يتوقف بين وحوش تستيقظ كل 60 عاما، لتحاول أن تخترق سور الصين العظيم، الذى بُنى فى 1700 عام، وتأكل فى طريقها كل شىء، ولكنها عن هؤلاء الذين وقفوا معا بصلابة لقهر الوحوش التى تحمل اسم «تاو تاى»، وعن الثقة والانتماء اللذين شعر بهما لص ومرتزق أوروبى، جاء إلى الصين مع صديقه للحصول على مادة سوداء سمع عنها، يمكن أن تصنع سلاحا مدمرا (متفجرات)، وبسبب هذه الثقة، وذلك الانتماء، صار اللص ويليام (مات ديمون) جنديا يدافع عن السور، وعن عاصمة الصين، واكتشف أن هناك أشياء أكبر من المال والطعام، تستحق القتال من أجلها.


أصل معاناة الصينيين من الوحوش إمبراطور قديم جشع، غضبت عليه السماء، فأرسلت نيزكا أخرج وحوش «التاو تاى» من باطن الأرض، وهذه الوحوش لا تختلف فى جشعها وشراهتها لالتهام كل شىء عن الإمبراطور الجشع، بل إن ملكتها صورة وحشية مماثلة للجشع، حيث تتغذى على ما يحضره الآلاف من شعبها، ولا يتوقف الصراع الذى يتأجج كل 60 سنة، بعد أن عاقبت السماء الأرض بجشع مماثل.


تأخذ فكرة الجشع فى الفيلم تنويعات أخرى أيضا من خلال صراع ويليام مع صديقه توفار (بيدرو باسكال) الذى يصر على مواصلة العمل على سرقة المادة السوداء المتفجرة، بمساعدة بالارد (ويليام دافو)، الأجنبى المعتقل منذ سنوات داخل السور، ويتم التعبير عن معنى الصراع ضد الجشع صراحة عندما تقول القائدة لين (جينج تيان) لوليام إنها لا تعرف الكثير عما يجرى خارج سور الصين العظيم، ولكنها تعتقد أن وحشية البشر فى الخارج لا تختلف عن وحشية تاو تاى.


يلعب السور العظيم دورا مهما فى مواجهة الوحوش التى لا تتوقف عن الهجوم، تلتهم كل ما تجده، ثم تعود لإطعام الملكة التى لا تشبع، ورغم المقاومة الباسلة لقائد السور شاو، إلا أنه يقتل، فتتولى لين القيادة، ومع ذلك تنجح الوحوش فى حفر نفق أسفل السور، وينفتح الطريق أمامها، لكى تغزو العاصمة.


فى مواجهة الجشع لا ينقذ الموقف إلا الثقة التى تجعل جنود السور وكأنهم جدار واحد متماسك، وفى حوار مهم بين لين ووليام، تقول له إنهما مختلفان، هى تتحدث عن ثقة الإنسان، وهو بحكم ظروف نشأته وطفولته الصعبة يقول لها إن عدم الثقة بالبشر، هو ما جعله على قيد الحياة، يحكى لها عن عمله وهو طفل فى تنظيف ميادين المعارك، ثم نجاحه فى إتقان استخدام السيوف والأسهم، وعمله كمرتزق لدول كثيرة فى أوروبا، يصبح الصراع فى جوهره بين الجشع والثقة، وينجح ويليام فى الاختبار، فيرفض سرقة المسحوق الأسود، كما ينجح فى مساعدة لين على التخلص من ملكة الوحوش، وإنقاذ العاصمة من الفناء.


تستمر اللعبة بين الجشع والثقة من خلال السيناريو المتقن الذى كتبه ثلاثة هم كارلو بيرنارد ودوج ميرو وتونى جيلروى، فيعاقب الجشعون سواء أكانوا وحوشا أم بشرا: يتم قتل ملكة التاو تاى، فينتهى شعبها، وينحسر الغزو المدمر للعاصمة، وتنفجر شحنة المادة السوداء التى احتفظ بها بالارد، بعد أن سرقها من توفار، ويعود الأخير معتقلا إلى السور، وهناك يخبره ويليام أن لين تركت له الخيار بين أن يحصل منها على المادة السوداء، أو أن يحرر صديقه توفار، واختار ويليام أن يحرر صديقه، لقد اختار الثقة وليس الجشع.


اندهشتُ كثيرا أن يعترض بعض الصينيين على الفيلم بدعوى أنه يمنح البطولة لأجنبى هو ويليام، الحقيقة أن البطولة الكبرى فى الفيلم للصينيين الذين يدافعون بشراسة عن السور والعاصمة، بل إنهم يحمون البشرية كلها من خطر التاو تاى، ويصنعون سورا حاميا للعالم بأجمعه، كما أن البطل الأجنبى يتعلم منهم معنى الانتماء للوطن، ومعنى الثقة فى البشر، وهذا البطل مجرد مرتزق ولص لا مقارنة بينه وبين لين مثلا، أو ذلك الجندى الصينى الشاب الذى يضحى بنفسه من أجل وطنه.


الحكاية بالأساس عن الإنسان عموما وليست عن الصينى والأوروبى، عن أهمية أن يثق البشر فى بعضهم البعض مهما كانت بلدانهم، الفيلم يقول بوضوح إن السور المبنى من الحجارة لا يكفى، السور الأهم هو تكاتفنا معا من أجل الإنسان، والعدو الأصلى ليس هو وحوش التاو تاى، وإنما وحوش الجشع، والتى كانت سبب المأساة كلها، حيث بدأ الأمر بإمبراطور صينى جشع، فخرج الجشع نفسه من باطن الأرض، فى صورة مسوخ لا تشبع، وقتل الملكة الجشعة فى نهاية الفيلم، ليس سوى المعادل الرمزى لفكرة قتل الجشع لدى الإنسان، وهو معنى المغامرة كلها.


نحن أمام فيلم أسطورى يقول أشياء مهمة وجميلة، ومع ذلك لا يتنازل زانج ييمو عن الإبهار البصرى، وعن استعراض قدرته على تقديم المعارك، وتوظيف إمكانيات الجرافيك بصورة جيدة، وتقديم صورة وموسيقى مذهلة، وتوظيف تقنية البعد الثالث، وذلك بحركة الوحوش والسهام فى اتجاه الكاميرا، وبذلك تنتقل ساحة المعركة إلى صالة العرض، أو بمعنى أدق إلى داخل عين المتفرج.


كان واضحا استغلال إمكانيات الإنتاج الضخمة فى حشد المجاميع، كما كانت المعارك مبتكرة، يطير فيها الجنود فى الهواء، وتحملهم آلات تشبه المناطيد، كانت الصين حاضرة تماما بعلمها ونظامها وفلسفتها وخبرائها وعقيدتها فى الموت والحياة، كان السور العظيم تجليا لحضارة عظيمة جديرة بالبقاء، وظل الأجنبى مجرد عابر ومغامر، جاء فتعلم، اكتشف نفسه واكتشف الإنسان، وعرف أن الوحش يكمن أيضا داخل البشر، وليس فى باطن الأرض فحسب.

التعليقات