كل عام ونحن أصدقاء - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 يناير 2020 9:34 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

كل عام ونحن أصدقاء

نشر فى : الأربعاء 2 يناير 2019 - 11:40 م | آخر تحديث : الأربعاء 2 يناير 2019 - 11:40 م

لا أعرف إن كان أى تقييم لعام منصرم أهم من تقييم الصداقات التى توثقت خلال السنة وأغنت حياتى، ومراجعة المشاعر التى تغلبت على غيرها فساهمت فى صمود العلاقة وأثبتت أن المحبة والرغبة فى استمرارها أقوى من أى موقف آنى حتى لو ساهم، فى حينه، فى بعض الاضطراب.
***
تكثر فى آخر السنة لوائح تعدد أهم أحداث الاثنى عشر شهار المنصرمين، من التطورات السياسية الأكثر تأثيرا على العالم، إلى الشخصيات العامة الأقوى حضورا فى الدفاع عن قضايا معينة، إلى الممثلات الأكثر أناقة إلى أجمل المدن فى العالم، وغيرها من لوائح يتم تبادلها على وسائل التواصل الاجتماعى. أظن أن اللائحة الأهم هى تلك التى تضم الأشخاص الأكثر تأثيرا على حياتى، الصديقة الأكثر حنية والتى تظهر وكأننى استدعيتها لتسأل «إنت كويسة؟». الصديق الحكيم الذى يرسل لى مقالا يريد به رسالة أنه شريكى فى الهم. السيدة التى تبادر بشكل يفاجئنى إذ إننى ظننت أننى بغنى عن صداقات جديدة وها هى تبرهن أن لا حدود للبدايات الجديدة. الصديقة المحبة للحياة التى تشاركنى موسيقاها وأشعارها المفضلة، وبذلك تخفف عن القلب أحزانه.
***
فى لائحة الفائزين صديقة أنتظر الجلوس معها لأفرغ ما فى جعبتى من متاعب وأفراح على الأريكة فى بيتها، تتوالى فناجين القهوة والوجبات من فطور إلى غذاء وغيره بينما القصص تنسال منى ومنها دون توقف. هو نهر من الصداقة لا يتوقف، لا حاجة لتوجيه مجراه فهو يعرف طريقه. هناك أيضا الصديقة الهادئة التى تستجيب للنداء دون شوشرة، تظهر كأنها تلك الساحرة فى قصص الأطفال بيدها عصا سحرية تمر بها على آثار الانفجار من حولى فيعود كل شىء إلى مكانه، نعم لمسة الساحر تلك التى تدلك أكتافى فأسترخى.
***
هناك من يظهرون ويختفون لكنهم بظهورهم يغطى نورهم حقلا من أزهار عباد الشمس: تستقيم سيقان الزهرة ويرتفع رأسها باتجاه الشمس وتضحك. بعض الأصدقاء قادرون على فعل ذلك بى: يظهرون فأضحك، يفردون محبتهم فتتلون دنياى بالأصفر والأخضر. يأتى معهم الربيع بغض النظر عن الموسم، فى كلماتهم ألوان الزهور وفى عيونهم دفء شمس ما بعد الشتاء. أنا مدينة لهم بإخراجى من اللون الرمادى إلى قوس قزح أمشى فوقه ممسكة بيدهم.
***
فى لائحة الفائزين تجلس أمى وبيدها فنجانها المعتاد. لا أعرف إن كانت القهوة التى فيه ما زالت ساخنة بعد ساعات من الاستماع إلى قصصى لكن أمى، بحساسيتها المألوفة لا تعلق على حرارة قهوتها. هى تنتقل معى من قصة عن العمل إلى موضوع عن الأولاد قبل أن أدخلها فى دهاليز علاقتى مع صديقة فصلت السياسة بيننا. السياسة: كلمة السر التى تسحب أبى إلى اللائحة، يدخل على الحديث بمقال قد لا أرغب فى قراءته فى تلك اللحظة التى أريد فيها من أمى أن تؤكد لى أن صديقتى على خطأ، ويصر أبى على محتوى المقال فأنظر إليه بعتب: إن كان يريد الانضمام إلى اللائحة فعليه أن يدخل فى الحديث، أليست صديقتى على خطأ؟ ألست والدى وبالتالى تقف معى فى خلافى مع الغريبة؟ ليس بالضرورة، يرد والدى دون أن يقول شيئا، أعرف أنه فعلا لن يقف معى بالضرورة فأمسك المقال حتى لا أدخل فى نقاش أعرف أننى سأخسره.
***
لائحة الفائزين تضم أخى، ذلك الإنسان الذى يشبه قلبا كبيرا يتفرع منه باقى أعضاء جسده، يشبه دمية على شكل قلب له ذراعان وقدمان، أتكئ عليه فى كل شىء على الرغم من أننى أكيل له الضربات أكثر من القبلات دون أن يهتز. حبى له سر لا نهاية له فهو يقف فى مكانته عندى بين ابنى وصديقى فى آن واحد. أظن أن المرة الأولى التى شعرت بها بأن هناك من قد يشاركه ذلك النوع من الحب فى قلبى كانت عند ولادتى ابنى الأول.
***
زوجى الباشا، باشا القلب قبل أى لقب آخر، فى اللائحة طبعا لكن مكانه يتغير حسب حزمه فى التعامل مع قصصى: يصعد فى المكانة عندما ينحاز إلى ويفقد بعض الدرجات حين يضعنى فى مكانى، أى حين يسمعنى ما أحاول أن أتجاهله، هو صوت العقل على الرغم من أنه صوت القلب أيضا. سوف أدعه فى مكان مرن أستطيع أن أحركه صعودا وهبوطا فى اللائحة، إذ قيل كثيرا أنه من الخطر طمأنة الرجل أن مكانه محفوظ لن يتزعزع!
***
أما صديقى الذى حثنى على كتابة هذا العامود ولم يغير رأيه على الرغم من تلاعبى الدائم بالمحتوى، فهو يربح جائزة الجوائز، جائزة الصديق العراب الحكيم الذى لم يتوقف عن إظهار المحبة على طريقته، يتقبل الاختلاف بقلب كبير مفتوح على البحر، مدد لا ينتهى من الصداقة، أسمح لنفسى فى اليوم الأخير من هذه السنة أن أقحمه فى المقال على الرغم من محاولته الدائمة أن يقف خارج بقعة الضوء: أنا مدينة له بما أصبح، على مدى السنوات الثلاث الماضية، مساحة خاصة عامة ثمينة أضع فيها ما يحلو لى وأرميها فى البحر فتنجو كقارب للنجاة أبحر مع قلبى وتلقاه الكثيرون ممن أحبهم ويحبونى. كل عام ونحن جميعا أصدقاء، لأن ذلك أساس حياتى.

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات