النصر دائما للديمقراطية! - أكرم السيسى - بوابة الشروق
الإثنين 18 يناير 2021 12:36 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

النصر دائما للديمقراطية!

نشر فى : الثلاثاء 1 ديسمبر 2020 - 8:15 م | آخر تحديث : الثلاثاء 1 ديسمبر 2020 - 8:15 م

الديمقراطية هى النظام السياسى الذى يقابله النظام الديكتاتورى، الأول يعتمد على مؤسسات وهيئات وأحزاب وجمعيات مدنية كلها قوية وتمثل الشعب، فهى أدوات ووسائل تحقق مفهوم «حكم الشعب بالشعب»، وأهم عنصر لتكوين هذه الوسائل هو «صندوق الانتخابات» الذى يجب أن تتوافر له كل ضمانات النزاهة، فلا رشاوى للناخب، سواء مُقنَعة مثل كسر القانون أو التحايل عليه لمصلحة فرد أو جماعة، أو رشاوى صريحة مثل السكر والزيت والأموال التى توزع على الناخب أيام الانتخابات أو الاستفتاءات؛ أما النظام الديكتاتورى فهو يعتمد على حكم الفرد فقط، ووسيلته الأولى هى «قمع» الآخر، إما بتكميم حريته فى التعبير، وإما بحبسه فى السجون، وإما بحرمانه من الحياة بقتله معنويا أو جسديا.
ورغم أن تطبيق نظام ديمقراطى هو غاية كل شعوب الكرة الأرضية، إلا أنه لا يمكن اعتباره النظام الأمثل الذى لا تشوبه عيوب أو مساوئ، فالكمال لله وحده، وما من شىء من صنع الإنسان إلا وبه نواقص، ولكن نستطيع أن نُقِر بأنه أفضل نظام حُكم توصل إليه الإنسان فى تاريخ البشرية، لأنه يضمن أكبر قدر من الحرية والمشاركة فى الحكم للمواطن وللشعب، وفى المقابل يحقق أكبر قَيْد على حرية الحاكم وعلى تفرده بالسلطة، وعليه فهو يحقق أكبر قدر من المكاسب، وأقل قدر من الخسائر.
وأما النظام الديكتاتورى فمصائبه كثيرة، ومكاسبه قليلة، لأنه يُقصى الفرد والشعب من دائرة الحكم، ويتمتع الحاكم فيه بحرية التصرف المطلقة دون محاسبة له، على الرغم من أن هذا النظام يمكن أن يحقق مكاسب سريعة، ولكن على المدى البعيد نتائجه كارثية، تُدمر فى أغلب الأحيان الدول والشعوب.
هذا ما يشهد به التاريخ الحديث خاصة فى وطننا العربى، فلقد دمر كل من صدام والقذافى والأسد وعبدالله صالح دولهم وشعوبهم، مع العلم بأن العراق وليبيا من أغنى دول العالم، ولكن الحكم المستبد، ومحاولة استئثار السلطة لهم ولأبنائهم ــ مخالفة لنظام دولهم الجمهورى ــ أدَيا إلى احتلال أوطانهم وتشريد شعوبهم، وكانت مصر على وشك أن تقع فى ذلك، لولا مؤسستها العسكرية القوية والوطنية التى حمت دستورها الجمهورى فأنقذتها من هذا المصير.
***
وبالعودة إلى عيوب النظام الديمقراطى، فإن أكبر مثل فى التاريخ يُدلل على أن هذا النظام له أخطاء هو وصول هتلر للسلطة (ماتشرجريفونج)، فى 30 يناير 1933، فقد تسلم الحكم بوسيلة ديمقراطية، ولكنه كان أول من عمل على إسقاط هذا النظام الذى أوصله للحكم!
كان هتلر قبل تسلمه السلطة قد أقسم على أن حزبه النازى عقد العزم على تقلد زمام الحكم بشكل قانونى، وأن شعاره «ثورة وطنية» لا يمكن تفسيره إلا «من منظور سياسى»، وأن حزبه صديق وليس عدوا لقوات الدفاع الوطنية الألمانية (الجيش الألمانى)، ولكن بعد أن وصل إلى منصب مستشار ألمانيا، أحبط كل محاولات خصومه للفوز بأغلبية المقاعد فى الرايخستاج (البرلمان الألمانى)، ونتيجة لعدم وجود أى حزب من الأحزاب يستطيع الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان منفردا، فقد أقنع هتلر الرئيس الألمانى هندينبرج بحل الرايخستاج، وتقرر إجراء الانتخابات فى بدايات مارس 1933، ولكن كان مقر الرايخستاج قد اشتعل بالنيران، قبل هذا التاريخ، فى السابع عشر من فبراير!
كانت أول خطوة لهتلر هى العمل على إسقاط النظام الديمقراطى، وإفراغه من مضمونه، وهدم مؤسساته التى تحميه، ففى 17 فبراير 1933، أى بعد ثمانية عشر يوما فقط من توليه السلطة، حُرِقَ الرايخستاج الذى اتهم بفعله الهولندى الشيوعى مارينوس فان دير لوبى، وعليه نُسب الحريق إلى مخطط شيوعى، وكانت الشيوعية أكبر معارض للحزب النازى.
وفى 28 من فبراير صدر، من الحكومة التى يرأسها هتلر، «مرسوم حريق الرايخستاج» الذى حرم الحزب الشيوعى من حقوقه الأساسية، ووفقا لأحكام هذا المرسوم، تم قمع الحزب الشيوعى الألمانى، وغيره من الجماعات والأحزاب الأخرى، وتم اعتقال موظفى ونواب الحزب الشيوعى وموظفيه أو نفيهم أو اغتيالهم، ومن هنا نستطيع أن نقول بأن الرايخستاج لم يحترق وحده، بل احترقت أيضا معه الديمقراطية كلها القائمة آنذاك، وبذلك أحكم هتلر قبضته على السلطة التى أصبحت كلها فى يده دون منازع له!
إذن، كان حرق الرايخستاج، الذى يعتبر المؤسسة الأهم ضمن أركان النظام الديمقراطى لأنه المؤسسة التشريعية والرقابية التى تمثل الشعب، وبالإضافة إلى القضاء على الأحزاب والمعارضة، هما الضربة القاضية لتحطيم النظام الديمقراطى، إلا أن نتيجة ذلك لم تكن فقط دمار ألمانيا، ولكن دمار أوروبا والعالم أجمع، فقد اعتبرت الحرب العالمية الثانية أكثر الصراعات العسكرية دموية على مر التاريخ، والذى قُدر إجمالى عدد ضحاياها بأكثر من ستين مليون قتيل، مثلوا فى ذلك الوقت أكثر من 2.5% من إجمالى تعداد السكان العالمى!
رغم هذا الدرس القاسى الذى عاصره كثير من الناس الذين مازالوا على قيد الحياة فى عصرنا الحالى، إلا أننا مازلنا نجد نماذج من الشخصيات الاستبدادية تتكرر كثيرا فى بقاع الأرض، كما أسلفنا الذكر، وكأنما تكرارها يؤكد لنا دائما أن التاريخ لابد أن يُعيد نفسه!
***
تؤكد ظاهرة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب هذه النظرية، فقد قَبِل بحكم صندوق الانتخابات لتولى السلطة، ولكنه الآن يرفض ترك السلطة بحكم نفس الصندوق الذى مكنه من الحكم، هذه هى طبيعة الديكتاتوريين، يقبلون ما يوافق مصالحهم، ويرفضون ما يُعارضها، وذلك فضلا عن أسلوبه فى الحكم المناقض لمبادئ الديمقراطية، فهو لم يحترم عهدا ولا مبدأ ولا قانونا طوال فترة حُكمه لأكبر دولة فى العالم، وإحدى كبريات الدول التى يرتكز حكمها على نظام جمهورى، ومن أهم معالمه تداول السلطة، فلأول مرة نرى رئيسا أمريكيا يصر على رفض نتائج الانتخابات، ويُشكك فى نزاهتها، ويتصرف وكأنه رئيس لإحدى جمهوريات الموز!
نسمعه يعلن ــ قبل ظهور نتائج الانتخابا تــ أنه الفائز حتما! وبعد إعلان نتائج هزيمته، يتهم القائمين على الانتخابات بالتزوير، دون أن يقدم دليلا واحدا على ادعاءاته، ويرفع دعاوى قضائية الواحدة تلو الأخرى، والتى بلغت حتى الآن قرابة ثلاثين دعوى قضائية، ورغم أنه خسرها جميعا، إلا أنه مازال يرفض!
كما أنه يرفض نصائح مساعديه، وإمعانا فى الصلف والعناد، يُقيل وزير دفاعه مارك أسبر الذى لم يُبدِ دعمه لمزاعم حدوث تزوير خلال الانتخابات الرئاسية، وعلى الفور يصرح رئيس الأركان أنه أقسم على ولائه لدستور الولايات المتحدة، وليس لفرد أيا كان؛ ويطرد مسئولا كبيرا أشرف على تأمين الانتخابات الأمريكية عارض أيضا حدوث تزوير؛ ويُقيل كذلك مدير وكالة الأمن الإلكترونى، وأمن البنية التحتية كريس كريبس بسبب تأكيده نزاهة التصويت، والبقية تأتى!
هكذا يظهر الرئيس ترامب بأفعاله وبأسلوبه، بعد أن فقد بُوصلته، كأى حاكم من دول العالم الثالث، فهو لم يختلف عن رئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد الذى أطاح بقائد الجيش، وبقائد الاستخبارات، وبوزير الخارجية فى يوم واحد، دليلا على تخبطه وفقدانه لشرعيته، هكذا يتصرف المنهزمون بعقلياتهم القبلية عندما يفقدون شرعية حكمهم!
فالرئيس ترامب يتصرف الآن كالأسد الجريح، يريد تخريب كل شىء فى سبيل مصلحته الشخصية، كما قال الرئيس الأسبق مبارك: «أنا أو الفوضى»، عملا بالمبدأ القائل: «أنا ومن بعدى الطوفان»، فهو يحاول فرض واقع يُجبر به الرئيس المنتخب على السير فيه لتدمير خططه، وحرق مستقبله، معتقدا أنه بهذا يُمهد لنفسه طريقا يستطيع من خلاله ترشيح نفسه فى الدورة الرئاسية القادمة، بعد أربع سنوات، فى العام 2024!
نراه يُحاول إشعال حرب جديدة فى منطقة الشرق الأوسط، فيفرض على من يخلفه واقعا لا يستطيع الإفلات منه، ويستمر فى تعديه على قرارات الأمم المتحدة، وعلى حقوق الشعوب، فيرسل وزير خارجيته مايك بومبيو لمستوطنة بسجوت الإسرائيلية بالضفة الغربية وللجولان المحتلتين، ويعلن منهما أنهما جزء من إسرائيل، وأن منتجات المستوطنات هى منتجات إسرائيلية، وأن وزارة الخارجية الأمريكية ستعلن اعتبار من يطالب بمقاطعة هذه المنتجات معاديا للسامية!
ولكن هيهات، فمؤسسات النظام الديمقراطى القوية، الموجودة فى بلاده، تحيط به من كل جانب، وتزيد الخناق عليه، فهو لن يستطيع كسرها أو هدمها، مهما بلغ من قوة ومن حيَل، كما فعل هتلر من قبل، فهو مثل كائن موجود فى قفص محاط من كل الأركان بمؤسسات تجعله يتخبط فى كل اتجاه، ولكنه لن يستطيع الإفلات أو الهروب من هذا القفص الديمقراطى!
هذه هى الديمقراطية الحقيقية التى تحميها المؤسسات، فلا يستطيع أى فرد مواجهتها أو تحطيمها مهما بلغ من جبروت، ومهما امتلك من وسائل ومناورات وألاعيب، فالنصر دائما يكون للديمقراطية المرتكزة على مؤسسات قوية، رغم كل عيوبها ونواقصها!

أكرم السيسى أستاذ الأدب واللغويات بقسم اللغة الفرنسية بجامعة الملك سعود بالرياض
التعليقات