للتاريخ أبواب أخرى - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الإثنين 9 ديسمبر 2019 2:31 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

للتاريخ أبواب أخرى

نشر فى : الأحد 1 نوفمبر 2015 - 11:10 ص | آخر تحديث : الأحد 1 نوفمبر 2015 - 11:10 ص

لم يرحل الرئيس جمال عبدالناصر دون أن يحفر فى ذاكرة التاريخ مشهدا لم يتكرر، «فالعالم لم يشهد جنازة تماثل فى ضخامتها جنازة عبدالناصر»، بحسب ما نشرته مجلة نيوزويك فى 2 أكتوبر عام 1970، مضيفة: إن «جنازات كيندى وستالين وكمال أتاتورك تبدو كصور فوتوغرافية إذا ما قورنت بجنازة عبدالناصر.. لقد أحس العرب أنهم فقدوا الأب والحامى لهم».
الكاتب والمؤرخ والأديب الفرنسى «جان لاكوتير» وصف أحداث تشييع جنازة الرئيس الراحل فى كتابه «ناصر» بقوله: «إن هذه الجموع الغفيرة فى تدافعها الهائل نحو الجثمان إلى مثواه الأخير لم تكن تشارك فى تشييع الجثمان، لكنها كانت فى الحقيقة تسعى فى تدفقها المتلاطم للاتصال بعبدالناصر الذى كانت صورته هى التجسيد المطلق لكينونتها ذاتها.. لقد قُفلت الآن الدائرة ولكن ماذا تحوى فى داخلها؟ 23 يوليو.. باندونج.. السويس.. السد العالى.. دمشق.. الجزائر.. قوانين 1961.. إن كل ذلك قد أصبح الآن تاريخا.. لكن ما هو باق هو صورة عبدالناصر وما أصبحت ترمز إليه من الإحساس بالكرامة وروح التحديث والشعور بالأهمية الدولية».
إذن دخل عبدالناصر التاريخ بانحيازته وإنجازته ومعاركه، منتصرا كان أو مهزوما، فحُفر اسمه على العديد من ميادين وشوراع عواصم العالم.
كان الرئيس محمد أنور السادات مهووسا بدخول التاريخ.. لم يكتف بلقب «بطل الحرب»، وتصدر صورته بالبدلة العسكرية أغلفة المجلات والصحف العالمية، فسلم «مفاتيح اللعبة» إلى الراعى الأمريكى، وقفز إلى محادثات السلام مع العدو الصهيونى، حتى يعود إلى صدارة المشهد ويتصدر الميديا بصفته «بطل الحرب والسلام».
كلما غابت الأضواء عن السادات، شعر ببعده عن المكان الذى اختاره لنفسه فى كتاب التاريخ، وفى سبيل العودة كان يرتكب بعض الأفعال «الفاضحة»، كأن يطلب تصويره بالملابس الداخلية وهو يحلق ذقنه، وانتهى الأمر بأن يخلد اسمه ويدخل التاريخ من أوسع أبوابه، فتكون نهاية «آخر الفراعنة» على الهواء مباشرة «رئيس مغدور قتله عدد من أبناء جيشه» فى حادث المنصة الشهير.
أما الرئيس «البليد» حسنى مبارك فلم يكن معنيا بدخول «التاريخ ولا الجغرافيا».. عمل كموظف فاشل على مدى ثلاثة عقود، حتى زحف إليه التاريخ، وأجبره على الدخول إليه عبر بوابة ميدان التحرير حينما أسقطه شعبه.
محمد مرسى الرئيس الإخوانى لم تسعفه شهور حكمه الاثنا عشر من تقليب صفحات التاريخ جيدا كى يتعلم منها ويقرر فى أى باب يريد أن يُذكر.. سقط كسلفه فى ذات الميادين كرد فعل على محاولات خطف الدولة وتسليم مفاتيحها وأسرارها إلى كهنة الجماعة بالمقطم.
فتح التاريخ بابه لوزير الدفاع الفريق عبدالفتاح السيسى عندما انحاز لرغبة الشعب فى إسقاط حكم جماعة الإخوان فى 30ــ6ــ2013، وفتح له بابا آخر ليؤسس دولة مدنية بعد أن تم انتخابه رئيسا للجمهورية.
السيسى بحث عن أبواب أخرى لدخول التاريخ.. كلف حكومته بتنفيذ عدد من المشروعات الكبرى، شكك خبراء فى جدواها الاقتصادية، أنجز منها مشروع «ازدواج قناة السويس»، وفى الطريق مشروعا «العاصمة الإدارية الجديدة، والمليون ونصف المليون فدان».
التاريخ سيذكر أيضا أن السيسى رفض كل الدعوات لتعديل قوانين انتخاب مجلس النواب، وترك الأجهزة تهندس معركة انتخابية أفرزت النائب «المخبر، والشتام، وحرامى أراضى الدولة، وعطار المنشطات الجنسية»، وأُقصى شركاء 30 يونيو، فأدار الشعب ظهره لتلك «الملهاة».
لو كان السيسى عمل منذ بداية حكمه على وضع قواعد دولة ديمقراطية، وفتح الباب أمام وجود حياة سياسية سليمة قائمة على التعددية وتداول السلطة، وعمل على إنفاذ الدستور والاحتكام إلى دولة القانون، لحفظ لنفسه بابا فى التاريخ ذكر فيه «إن جنرالا من الجيش لبى نداء شعبه وخلع جماعة فاشية، وأقام دولة حديثة، سلمها لأجيال دفعت ثمن حريتها من دمائها، ثم رحل».

التعليقات