د. نعمان جمعة.. الذى كسر قواعد السياسة - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
الأحد 13 يونيو 2021 10:34 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

د. نعمان جمعة.. الذى كسر قواعد السياسة

نشر فى : السبت 1 نوفمبر 2014 - 7:40 ص | آخر تحديث : السبت 1 نوفمبر 2014 - 7:40 ص

النظافة والشرف فى السياسة شحيح ونادر.. وقد كسر هذه القاعدة قلة من الساسة.. فلم تحرقهم نيران السياسة ولكنهم أضاءوا شموعا من الشفافية والنزاهة فى النفوس والأوطان.

ومن بين هؤلاء د. نعمان جمعة، عميد حقوق القاهرة، وزعيم حزب الوفد الأسبق، الذى لم يركب سيارة حكومية أو للجامعة أو للحزب طوال فترة عمادته لحقوق القاهرة أو رئاسته لحزب الوفد.. فإذا تعطلت سيارته الخاصة ركب التاكسى ليصل إلى الكلية أو الحزب.

لقد كانت المشكلة الكبرى التى واجهت نظام مبارك أو الحزب الوطنى فى صراعهم غير الشريف مع د. نعمان جمعة أنهم لم يجدوا فى الرجل ثغرة أخلاقية ينفذون منها إليه أو نزوة شهوانية محرمة يسهل اصطياده من خلالها.. أو فسادا ماليا ليشهروا به.. فلم يبق أمامهم سوى تحطيمه مباشرة وعزله من حزب الوفد.. خاصة بعد أن تجرأ وخاض الانتخابات الرئاسية ضد مبارك 2005.

وقد أغاظهم أن الرجل خاض معركة سياسية حقيقية دون إسفاف أو ابتذال أو تسفل أو ضرب تحت الحزام، فى الوقت الذى استعد فيه مبارك وأسرته وحزبه لتوريث ابنه جمال حكم مصر.

لقد كان د. نعمان جمعة عصيا على الاحتواء ووطنيا عنيدا يأبى أن ينافق أحدا أو يجامل على حساب وطنه ومبادئه التى تربى عليها.

وكأن الحكومات المصرية المتعاقبة تأبى إلا أن تعاقب الوطنيين الشرفاء.. فالدكتور نعمان الذى أعادت جامعة السوربون بفرنسا طبع رسالته للدكتوراة ثلاث مرات على نفقة الجامعة مع تداولها فى كل الجامعات الأوروبية والأمريكية لم يحصل على أى جائزة من جوائز الدولة فى مصر.. رغم أن الجوائز التشجيعية والتقديرية كانت توهب لكل من هب ودب.. ولكل من كان فى شلل وزارات الثقافة المتعاقبة حتى أهديت إحداها أخيرا لرجل سرق الدكتوراة ولم يحصل عليها فى فضيحة لم يسبق لها مثيل.

إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن حينما نرى أن عالما مثل د. نعمان الذى يعده أكثر القانونيين من آباء القانون المدنى فى مصر والعالم العربى لم تكرمه أمته ولم يلق من وطنه إلا الجحود رغم أن دماء الوطنية تسرى فى عروق الرجل منذ أن كان شابا فى التعليم الثانوى.. فقد تطوع فى صفوف الفدائيين فى منطقة القنال أثناء العدوان الإسرائيلى.. واستطاع الفرنسيون أسره.. ولكن بعض الفدائيين استطاعوا إنقاذه فى قارب صغير حتى وصل للقاهرة فأجرت معه جريدة الأهرام حوارا فريدا.

وتفوق الطالب نعمان وحصل على الدكتوراة فلما عارض مع حزب الوفد اتفاقية كامب ديفيد وبعض سياسات السادات فى أيامه الأخيرة حرمته الحكومة والجامعة من التدريس عقب اعتقالات سبتمبر الشهيرة التى طالت معظم الرموز الوطنية والإسلامية والمسيحية فى خلطة عجيبة لم تحدث من قبل.

إن الخطأ الذى تقع فيه الحكومة والجامعات المصرية باستمرار هو الخلط بين علم الأستاذ وموقفه السياسى.. فإذا كان معارضا سياسيا حرمته من التدريس بالجامعة وعاملته معاملة الإرهابى واللص والسارق دون أن تقدر علمه حق قدره.

ولعمر الله مازال هذا الأمر يتكرر حتى اليوم فنجد عالما كبيرا وعظيما فى طب العيون مثل د. أسامة إبراهيم، رئيس جامعة الإسكندرية، يضيق عليه حتى يضطر للاستقالة.

ويحدث ذلك مع رئيس جامعة المنيا، الذى أوقف عن عمله قبل انتهاء فترة رئاسته بثلاثة أشهر.. مع أن تركه هذه الأشهر البسيطة لن يضر الجامعة أو الدولة شيئا .. وكذلك د. نظيف، رئيس الوزراء الأسبق، الذى منع من التدريس فى هندسة القاهرة.. دون التفريق بين العالم وموقفه السياسى.. فهل د. نظيف سيضر الطلبة أو يفيدهم؟!

فهل يستفيد الوطن من تحطيم كل هؤلاء الأساتذة؟!.

وهل إذا أخطأ أحدهم يحطم هكذا دون رحمة.. وإذا انتمى لوجهة سياسية نعامله كأنه لص أو إرهابى أو قاتل يمنع من التدريس أو يفصل من الجامعة لأوهى سبب.

وفى المقابل، ينبغى على أساتذة الجامعات أن يجعلوا انتماءاتهم السياسية والحزبية خارج الجامعة.. حتى لا تكون الجامعة وطلابها مرتعا للكراهية والأحقاد والصراعات السياسية والحزبية التى لا تنتهى أبدا.

وبعد موت الرئيس السادات عاد د. نعمان إلى الجامعة وانتخب بالإجماع عميدا للحقوق دورتين متتاليتين.. فلما صار بعد ذلك عقبة فى وجه مبارك وترشح ضده وترأس حزب الوفد ليقود المعارضة ضده.. أطاح رجالات الحزب الوطنى به من الحزب بطريقة لا تعرف الرحمة أو الشرف.. وألغيت انتخابات العمادة فى الجامعة وعادت للتعيين لإزاحة أمثاله.

لقد قوبل عطاء د. نعمان فى أغلب الأحيان بالجفاء والنكران والجحود من حزبه ومن الحزب الوطنى ومن وطنه وحكومتى مبارك والسادات.. والشىء الوحيد الذى قدمته جامعة القاهرة له كان بعد موته حينما أطلقت اسمه على مدرج 6 الذى بناه أثناء عمادته.

لقد مات رجل البناء د. نعمان الذى بنى حقوق القاهرة من جديد وأعاد إليها ثوبها القشيب، وبنى حزب الوفد من جديد وبنى صحيفته وترك خزائن الحزب عامرة بـ70 مليون جنيه.

وصدق صهره د. سامى عبدالعزيز حينما قال «لم أر أنبل من إنسانية هذا الرجل».. فسلام عليه عند رب عدل رحيم.

التعليقات