بين الوطن والمقدس - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأحد 16 مايو 2021 2:10 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


بين الوطن والمقدس

نشر فى : الخميس 1 نوفمبر 2012 - 9:25 ص | آخر تحديث : الخميس 1 نوفمبر 2012 - 9:25 ص

عاد عيد صلاح من مؤتمر عالمى بإندونيسيا لحوار الثقافات والأديان يحكى خبرته لزملائه من خلال البريد الإلكترونى، وعيد صلاح هذا كان تلميذا نجيبا وصار زميلا وباحثا مدققا فيما يسمى بالتراث العربى المسيحى أى إسهامات المسيحيين العرب فى ظل الثقافة الإسلامية، والخبرة التى اجتازها وسببت له أزمة تتلخص فى أن أحد العلماء من الحضور فى الغالب كان أمريكيا سأله عن موقفه كمصرى من التاريخ المقدس الذى يحكى عن جبروت فرعون ورجاله ووقوفه أمام نبى الله موسى بل أمام الله ذاته وتحديه، وهل هو كمصرى يشعر بأزمة هوية، وهو يقرأ مثل هذه النصوص المقدسة، وسأله عمن يدافع هل يدافع عن النبى موسى أم عن أسلافه المصريين بدافع وطنيته وانتمائه لهم، وقد فوجئ عيد بالسؤال، وأجاب أنه كمصرى يحب وطنه وأجداده. وبمجرد كتابته لهذه الخبرة انهالت عليه التعليقات، والكثير منها اعتبر أن إجابته كان يجب أن تستكمل باحترامه الكامل للمقدس، وأجاب عن هذه التعليقات بالقول: إنه تحدث (كمصرى) أى بغض النظر عن إيمانه أو دينه ووضع تحت كلمة مصرى عدة خطوط والحقيقة أن هذه القضية «قضية الصراع بين الوطن والمقدس» قضية عامة يعانى منها اليهودى والمسيحى والمسلم خاصة فى منطقتنا، فهذا الصراع ليس جديدا بل هو على مدى التاريخ وتسبب فى أزمات مستحكمة بل فى إندلاع حروب أدت إلى ضحايا بمئات الألوف من البشر، بل ونحن فى مصر الآن نعيش هذه الأزمة أردنا أم لم نرد.

 

 

 

واليهود فى هذا الشأن ينقسمون إلى قسمين من يعلى الوطن على المقدس ويعتبر أن فكرة «الشعب المختار» فكرة انتهى عصرها بوصول رسالة الله إلى كل الشعوب من خلال المسيحية والإسلام وأن هذا الشعب تشتت بعد خراب أورشليم عام 70 م فى كل العالم، وهكذا لم يعد شعبا واحدا بل شعوبا فمن من هذه الشعوب السلالة الصحيحة للشعب المختار، وهذه الفئة من اليهود يفسرون المقدس من خلال تمسكهم بأوطانهم، ولا يؤمنون بالصهيونية التى أسسها هرتزل والتى اعتبرت جميع الشعوب ماعدا اليهود كلاب وخنازير ويريدون تحقيق وعود الله بحسب تفسيرهم بالحديد والنار واغتصاب أراضى الغير وحاولوا إقناع اليهود فى كل بلاد العالم ان الأوطان التى يعيشون فيها ليست أوطانهم وأن وطنهم الحقيقى هو اسرائيل، وأن عليهم أن يعودوا إليها، أما المسيحيون فقد انقسموا إلى فريقين كاليهود فمنهم من اعتبر أن كل ما كتب عن فرعون وإسرائيل مجرد تاريخ وأن فكرة الشعب المختار لها تفسيرها الروحى، وأنهم يتعاطفون مع اليهود الذين يرفضون دولة إسرائيل، وقد انقسم هؤلاء إلى قسمين الأول رفض قراءة العهد القديم واعتبره محرفا ومليئا بالأساطير العنصرية التى تميز الشعب اليهودى ومن هؤلاء د. وسيم السيسى وغيره من العلماء وأيضا معظم كنائس سوريا ولبنان والأردن والعراق فهم يحرمون الوعظ أو التعليم من العهد القديم.

 

 أما الفئة الأخرى فيحترمون العهد القديم ويفسرونه تفسيرا رمزيا وليس حرفيا، ويأخذون منه المبادئ الأخلاقية العامة ويرفضون أى تفسير حرفى لصالح الدولة الصهيونية، وهذا القسم الثانى نشأ منه فريق فى أوروبا فى القرن الثامن عشر نتيجة الشعور بالذنب من نحو اليهود الذين قام هتلر بتعذيبهم، بتقديم تفسير تكميلى للتفسير الروحى للعهد القديم يقول إن اليهود الذين رفضوا المسيح وصلبوه، فعلوا ذلك لكى تصل رسالة المسيح إلى جميع الأمم (دون أن يدروا بالطبع لأن هذه خطة إلهية) وأن أحد شروط عودة المسيح فى نهاية العالم هو عودة اليهود إلى أورشليم، من هذه النقطة بدأ هؤلاء فى تعضيد إسرائيل اقتصاديا وسياسيا وعسكريا ليعود اليهود إلى فلسطين للإسراع بعودة المسيح، وهذا الفكر يتبناه بعض الأمريكيين من الجناح المحافظ.

 

لكن المشكلة لم تتوقف عند هذا الحد فالقرآن الكريم يتحدث أيضا عن فرعون ويدينه بشدة، وقد حدث ذات الصراع بين الوطنى والمقدس فى التاريخ الإسلامى، ففى عصور الخلفاء كان الوطن يذوب فى دولة الخلافة وقد نّظر لهذا الفكر ابن تيمية وحسن البنا الذى شعاره: «الإسلام وطننا والقرآن دستورنا والرسول زعيمنا» وبناء عليه كانت الدعوة لدولة الخلافة لتصير مصر إحدى الولايات التابعة لها، وسمعنا ورأينا المرشد العام السابق وهو يتحدث أنه لا يهمه لو جاء ماليزى أو إندونيسى مسلم ليحكم مصر، وقد تفاقمت الأزمة بوصول الإخوان إلى الحكم ودعوة صفوت حجازى لدولة خلافة وعاصمتها القدس على أن تكون مصر إحدى ولاياتها.

 

 

 

من كل ذلك نستطيع أن نخرج بأن هناك ثلاثة تيارات متوازية فى اليهودية والمسيحية والإسلام التيار الأول الذى يعلى المقدس على الوطن والثانى هو الذى يعلى الوطن على المقدس أما الثالث فهو الذى يقيم حوارا بين الاثنين ولا يتنازل عن احدهما ولا يعلى الواحد على الآخر، ونستطيع أن نرصد اليهود الصهاينة الذين تبنوا مشروع الدولة الصهيونية فى فلسطين يقفون جنبا إلى جنب مع المسيحيين المتصهينين، وهاتان الطائفتان تقفان بجوار الإسلاميين الذين يتحدثون عن دولة الخلافة بغض النظر عن الأوطان، وهؤلاء جميعا أى الصهاينة والمسيحيون المتصهينون والإسلاميون يقفون معا فى خندق واحد، وهل تتصور عزيزى القارئ أن هؤلاء الثلاث فئات والذين نراهم أعداء لبعضهم البعض لهم خطاب دينى واحد يقول نحن نتبع الله الحق وليس الوطن وكل شخص مدنى أو ليبرالى أو يتمسك بوطنه هو ملحد منفلت مخادع يشجع على الاباحية فى المجتمع مثل المثلية الجنسية، وهذا الكلام يقوله المحافظون فى أمريكا على أوباما كما تقوله الأحزاب الدينية فى إسرائيل والمحافظة ضد حزب العمال والدولة المدنية، ويقوله الإسلاميون على المصريين الذين ينادون بالدولة المدنية، إن هذا الاتجاه هو الذى هجر اليهود من أوطانهم الأصلية وركزهم فى إسرائيل، ويحاول اليوم تهجير المسيحيين من أوطانهم إلى الدول الغربية لتصبح دول الشرق الأوسط العربية إسلامية وهكذا تتحول هذه البلاد إلى بلاد عنصرية بامتياز بحجة أنهم يعلون المقدس على الوطن.

 

أما الاتجاه الأخير فهم الذين يرون فى اليهودية والمسيحية والإسلام ديانات عالمية لا تتعارض إطلاقا مع الأوطان بل العكس هو الصحيح فاليهود والمسيحيون الذين يعيشون فى الوطن العربى هم جزء أصيل من تراب الوطن مثلهم مثل المسلمين المصريين، بل وإن هؤلاء اليهود والمسيحيين أثروا الثقافة الإسلامية اثراء ومازالوا سواء فى مجال الترجمة أو الإدارة والطب وسائر العلوم، وهذا تحقيق للكتب المقدسة التى تعلى من حب الوطن إن المسيحيين العرب من هذا الاتجاه يؤمنون أن مسيحيتهم جاءتهم من فلسطين (اى من الشرق)، ومسيحهم شرقى وكتاب الأناجيل شرقيون وليسوا غربيين، والعادات والتقاليد والقيم المدونة فى الإنجيل جميعها شرقية ولذلك هم يرفضون المسيحية الغربية التى أخذت مسيحيتهم الشرقية وبعد تغريبها أعادوها إليهم بمسيح عيناه زرقاوان وشعره أصفر، بينما هو فى الأصل فلسطينى أى يشبهنا جميعا، وهو ما حدث أيضا مع الإسلام المصرى الذى هاجر إلى الخليج وعاد إلينا بالجلباب والنقاب والذقن والعادات والتقاليد الغريبة علينا يذكر الإنجيل أن عربا كانوا فى أورشليم وآمنوا بالمسيح وعادوا إلى بلادهم، وقد قامت حركة اللاهوت العربى المسيحى فى دمشق وبغداد ومصر فى محاولة لاسترداد المسيحية العربية التى تختلف عن الفرعونية والغربية وإن تأثرت بهما واستوعبتهما وإن هذه هى حاجتنا العظمى أن نسترد مسيحيتنا العربية المصرية من الذين يحاولون سلبها منا بإدعاء العولمة وأن نسترد إسلامنا العربى المصرى أيضا من الذين يحاولون سلبها منا بإدعاء الأممية وهذا هو التفاعل الحقيقى والصحى والإيجابى بين الوطن والمقدس.

 

ولنعلم جميعا أن هذه الأزمة ليست أزمة عيد صلاح فى إندونيسيا لكنها أزمتنا جميعا هنا والآن.

 

 

 

أستاذ مقارنة الأديان

 

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات