روسيا والصين ضد الولايات المتحدة الأمريكية - علاء الحديدي - بوابة الشروق
الخميس 22 أغسطس 2019 6:32 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





روسيا والصين ضد الولايات المتحدة الأمريكية

نشر فى : الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 10:30 م | آخر تحديث : الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 10:30 م

فى رسالة لا تخطئها العين، قامت القوات المسلحة الروسية بأضخم مناورات عسكرية لها منذ أربعين عاما. وهى المناورات التى عرفت باسم فوستوك (أى الشرق) ٢٠١٨، والتى بدأت يوم ١١ سبتمبر الماضى واستمرت لمدة أسبوع. وقد شارك فى هذه المناورات ٣٠٠،٠٠٠ جندى، فضلا عن ٣٦ الف دبابة وألف مقاتلة والعديد من القطع البحرية. إلا أن الملفت للنظر فى هذه المناورات، لم يكن حجم أو ضخامة القوات المشاركة فيها، رغم أهمية ذلك، ولكن فى مشاركة قوات عسكرية من الصين بلغت ٣٢٠٠ جندى و٩٠٠ مركبة و٣٠ مقاتلة. وهو ما أعتبر رسالة صينية روسية مشتركة موجهة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وعلى الأخص إلى رئيسها دونالد ترامب. فلماذا كانت هذه الرسالة وأسبابها؟
بداية، فقد تابع العالم تدهور العلاقات بين روسيا وبين دول حلف الناتو منذ التدخل الروسى فى شرق أوكرانيا وقيامها بضم شبه جزيرة القرم، ثم تدخلها العسكرى المباشر فى سوريا بشكل قلب موازين القوة فى سوريا ويهدد بقلبها كذلك فى منطقة الشرق الأوسط بأسرها. هذا، وقد أثارت عودة القوة الروسية إلى الساحة الدولية قلق وانزعاج الغرب الذى فرض عقوبات على موسكو بهدف تحجيمها وإثنائها عن سياساتها الحالية. ولكن بدلا من نجاح الغرب فى عزل روسيا دوليا وحصارها كما كان يبغى، فقد أدت سياسات ترامب الاقتصادية وحربه التجارية المتصاعدة ضد الصين إلى دفع الأخيرة لشراكة متنامية مع موسكو باتت أقرب ما تكون إلى تحالف سياسى وعسكرى عن أى وقت مضى. وأصبحت موسكو مع بكين يشكلان محورا مناهضا للولايات المتحدة، قد تنضم إليه لاحقا دول أخرى مثل إيران.
جدير بالذكر هنا أن كلا من موسكو وبكين كانا يأملان ــ كل على حدة ولأسباب خاصة به ــ إلى تنمية علاقاتهما مع واشنطن وحتى وقت قريب. فروسيا كانت تعول على انتخاب ترامب فى تحسين العلاقات بين الدولتين، ولكنها فقدت الأمل فى قدرة الرئيس الأمريكى على إقناع مؤسسات بلاده على قبول ما تقوم به موسكو من تحركات دولية مثل ضم شبه جزيرة القرم وإضفاء الشرعية عليها. بل إن الكونجرس فرض مزيدا من العقوبات الاقتصادية على روسيا أخيرا، فى حين اعتبر التقرير السنوى للبيت الأبيض حول إستراتيجية الأمن القومى الأمريكى فى ديسمبر الماضى كلا من روسيا والصين الخطر الرئيسى الذى يواجه البلاد. ومن ناحية أخرى، فقد تصاعدت الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة لأسباب عديدة، بعضها معلن مثل الخلل فى الميزان التجارى بين الدولتين، وبعضها غير معلن مثل التنافس على من سيكون له السبق فى الاستحواذ على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى. هذا الصراع بين واشنطن وبكين اتخذ أشكالا متعددة، بدءا من فرض رسوم حمائية على الواردات الصينية، مرورا بفرض قيود على نقل التكنولوجيا الأمريكية إلى بعض الصناعات الصينية، وانتهاء بفرض عقوبات على إحدى وحدات الجيش الصينى وقائدها بحجة خرقه للعقوبات المفروضة على روسيا بعد قيامهم بشراء أسلحة روسية. وكان هذا الإجراء الأخير سببا فى قيام قائد القوات البحرية الصينية بقطع زيارته الرسمية التى كان يقوم بها للولايات المتحدة الأمريكية، فضلا عن إلغاء زيارة كانت مقررة لإحدى قطع الأسطول الأمريكى لميناء هونج كونج. وفى مؤشر آخر على تدهور العلاقات بين البلدين، اتهم ترامب الصين بمحاولة التأثير على انتخابات الكونجرس فى الشهر القادم وذلك لصالح خصومه من الديمقراطيين.
هذا التصعيد الأمريكى سواء مع الصين أو روسيا قد أتى بنتائج عكسية، فلم يقتصر الأمر على قيام هاتين الدولتين باتخاذ إجراءات مضادة، ولكنه استنفر الشعور القومى لديهما وأعاد إلى الأذهان تاريخهما السلبى مع الغرب والولايات المتحدة. فالتاريخ الروسى الحديث يدور حول الصراع بين دعاة الانضمام إلى الحضارة الأوروبية، وبين دعاة التمسك بالهوية القومية الروسية كهوية منفصلة عن الغرب الأوروبى. وقد رجحت التجربة الفاشلة لفترة حكم يلستين ونخبته الليبرالية الموالية للغرب كفة النخبة القومية الروسية والتى تحكم اليوم من خلال الرئيس فلاديمير بوتين. أما فى الصين، التى عانت من إذلال ومهانة فترة الامتيازات الأجنبية والسيطرة الغربية المباشرة على بعض المناطق والموانئ (مثل هونج كونج على سبيل المثال)، فقد تعهدت القيادات المتعاقبة للحزب الشيوعى الحاكم فى الصين بالعمل على التخلص من إرث سنوات الذل والهوان هذه وعدم تكرارها. وهو ما يعنى تحويل الصين إلى قوة عظمى يعتد بها، لا تقبل بالإملاءات الخارجية، وخاصة من الغرب. وعليه، يتم النظر إلى محاولات ترامب الحالية لتصحيح ما يراه من خلل فى العلاقات بينهما باعتبارها محاولة لإعادة فرض الهيمنة الأمريكية عليهم من جديد. وبناء على ذلك، فلن يستطيع كل من الرئيس الروسى أو الرئيس الصينى الخضوع للمطالب الأمريكية لأن ذلك يعنى ببساطة شديدة فقدانهما لشرعيتهما السياسية القائمة على التصدى للغرب. وهكذا أصبح كل من بوتين وشى يرى فى الآخر الحليف أو الشريك المناسب لمواجهة هذا الخصم أو العدو المشترك. وفى تطور لافت للنظر، فقد تعهد الطرفان الروسى والصينى على تعميق وتوسيع الشراكة بينهما لتشمل العلاقات العسكرية بشكل غير مسبوق كما رأينا أعلاه. هذا، ويضاف لما سبق تطور نوعى آخر فى العلاقة بين موسكو وبكين، فقد أعلن الزعيمان الروسى والصينى اللذان اجتمعا سويا بمناسبة المناورات المذكورة أعلاه عن بدء التعامل تجاريا فيما بينهما بالعملة المحلية لكلا الدولتين، أى بالروبل الروسى واليوان الصينى، وبما يعنى الخروج من دائرة التعامل بالدولار والاستغناء عنه فى المعاملات التجارية بين بلديهما.
المفارقة التاريخية هنا، أن سياسة الولايات المتحدة منذ زيارة نيكسون التاريخية للصين فى عام ١٩٧٢ كانت تقوم على التفريق بين هاتين القوتين، لما لاتحادهما من خطر على مكانة الولايات المتحدة ومصالحها فى العالم. وقد حاول ترامب فى بداية عهده، وبناء على نصيحة من هنرى كيسينجر، بالعمل على توثيق العلاقات مع روسيا لإبعادها عن الصين. إلا أن ترامب بسياساته الحالية قد ساهم بشكل مباشر فى التقريب، وليس التفريق بينهما. فهل يعنى ذلك أننا بصدد انقسام العالم من جديد بين معسكرين متضادين؟ معسكر يضم روسيا والصين والآخر يضم الولايات المتحدة؟ هذا يتوقف على القوى الأخرى، سواء كانت دول الاتحاد الأوروبى مجتمعة أم متفرقة، أو قوى أخرى كالهند أواليابان أو البرازيل. هل ستنضم لأحد المعسكرين أم تنأى بنفسها عن هذين المعسكرين ليدخل العالم فى حالة من السيولة إلى أن يتشكل نظام دولى جديد مستقر وثابت؟

التعليقات