«الفيل الأزرق 2».. تجربة ناضجة ولامعة - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 5:18 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


«الفيل الأزرق 2».. تجربة ناضجة ولامعة

نشر فى : الخميس 1 أغسطس 2019 - 9:05 م | آخر تحديث : الخميس 1 أغسطس 2019 - 9:05 م

يمكننى القول، وشاهدت فيلم «الفيل الأزرق 2» للثلاثى أحمد مراد، ومروان حامد، وكريم عبدالعزيز، أن التجربة نضجت بشكل واضح، وأنها يمكن أن تنقل الفيلم المصرى ليس فقط إلى مرحلة العودة إلى إتقان النوع السينمائى، ولكن أيضا إلى محاولة المزج المركب للأنواع.
بتفصيل أكثر، فإن بناء السلسلة يتضمن مزيجا معقدا من الدراما البوليسية، والنفسية، والغرائبية، مع خطوط اجتماعية، ولمسات من أفلام الرعب. هذا المزيج شديد الصعوبة، سواء فى ضبط مستوياته، أو فى محاولة أن تصنع منه مزيجا متماسكا، فالجوانب النفسية والبوليسية قائمة على المنطق المعروف، ولكن الجانب الغرائبى، الذى يصنع من عالم الجان معادلا لعالم الأشباح، له منطق مواز وحر ومختلف.
الجزء الثانى يحافظ تقريبا على العناصر المحورية فى الجزء الأول، ولكن مع بناء أكثر تدفقا وتشويقا: بدلا من مريض وقاتل هو شريف الكردى، لدينا هنا مريضة وقاتلة هى فريدة (هند صبرى)، وهى أيضا تربطها صلة ما مع بطلنا يحيى راشد (كريم عبدالعزيز)، واللعبة كذلك محورها شخصية يحيى بالأساس، إلى درجة أن الفواصل بين ما يتوهمه، وما يحدث له فعلا تبدو غير منظورة، ما زال سكيرا ومأزوما، وما زالت حبة صغيرة تنقله إلى عالم غرائبى.
من عالم الفيلم البوليسى ستجد جرائم قتل (خارج وداخل المستشفى)، ولو تأملت أكثر ستجد يحيى يقوم بدور المحقق البوليسى، ولكنه محقق بدرجة طبيب نفسى، وهنا ننتقل إلى الجانب النفسى، حيث سيحاول أن يحدد أيضا مدى عقلانية المريضة من جنونها، ثم ننتقل إلى تفسير غرائبى تماما، هو الذى يعتمده الفيلم، وهو نوع ثالث يذكرنا بأفلام مثل «طاردو الأشباح» مثلا، أما المزيج المعقد كله فيحيلنا إلى أعمال أكثر تركيبا مثل «صمت الحملان»، الذى تمتزج فيه ثلاث حبكات معا: بوليسية، ونفسية، وغرائبية.
ما لاحظته فى الجزء الثانى، زيادة جرعة التشويق بحيث يقع حادث قوى كل عشر دقائق تقريبا من الفيلم، كما أن هناك اتجاها أوضح للمسات رعب واضحة، أما الخط الاجتماعى فهو أيضا حاضر فى الخلفية: الجزء الأول انتهى باستعادة يحيى لحبه الضائع لبنى (نيللى كريم)، والجزء الثانى ينتهى باستعادة أسرته كلها، أنقذهم من الموت، وأنقذ حياته الزوجية من الملل، ويمكن أن تقرأ الجزءين اجتماعيا على أنهما رحلة لاستعادة الوظيفة والأسرة.
هنا بناء بارع حقا يحقق للجمهور ما ينتظره من فيلم أحبه من قبل، ويحاول أن يضيف إليه، مع إتقان مدهش لكل عناصر الفيلم التقنية، خذ مثلا صورة أحمد المرسى التى تتلون بين غموض مشاهد حجرة العزل التى تختزل الألوان، والتى تتلاعب بالأسود والأبيض والأزرق، إلى مشاهد أحلام الفيل الأزرق، التى تنقلنا إلى عالم صاخب بألوانه الفاقعة، سيرك كامل يلامس حدود السيريالية.
يمكن أن تلاحظ هذا التلوين فى توظيف موسيقى هشام نزيه (التى جعلت للغرائبية صوتا)، أو فى مونتاج أحمد حافظ (الذى يصنع فى مواقف المفاجآت قطعات حادة تعادل بصريا معنى الصدمة)، أو فى شريط الصوت بأكمله الذى يستغل الصدى والصمت والمؤثرات معا، وكلها مجرد أمثلة على ما ذكرته عن قوة الإتقان فى عناصر الفيلم، الذى سينافس حتما على جوائز الأفضل بين أفلام 2019.
يحيى راشد هو محور الحكاية، وصارت الشخصية مسجلة باسم كريم عبدالعزيز، طبيب نفسى ومحقق وطارد للجان معا، كل سكناته وحركاته وأزمته الداخلية قوية وحاضرة، وكأن كريم قد صار يحيى، وكأنه خرج من الفيلم الأول، ليصور مباشرة الجزء الثانى، هند صبرى أيضا كانت ممتازة، هى فى الحقيقة عدة وجوه وشخصيات، تتغير أحيانا فى نفس المشهد، نيللى كريم كانت كذلك جيدة، وإن كانت الشخصية تحتمل أكثر مما شاهدنا من حيث الكتابة، وهناك دوران مميزان للغاية لإياد نصار وخالد الصاوى.
«الفيل الأزرق 2» يفتح الباب أمام تجارب لا حد لها، تزيد من ثراء الأفلام جيدة الصنع، وتأخذها إلى مستوى رفيع حقا، ولا شك عندى أن الثنائى مراد/ حامد يستطيعان أن يمزجا أنواعا جديدة فى تجارب قادمة، ما دام أنهما قد وصلا الآن إلى هذا المستوى الناضج والمحترف، تأليفا وإخراجا.

التعليقات