لبنان حالة شفق - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الأربعاء 5 أغسطس 2020 9:19 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

لبنان حالة شفق

نشر فى : الأربعاء 1 يوليه 2020 - 7:10 م | آخر تحديث : الخميس 2 يوليه 2020 - 10:42 ص

هناك بلدان ترتبط صورتها بالفرح وخفة الظل والتجدد الدائم، هناك مدن لا ينفع إلا أن تكون مدللة، ضحكتها ساحرة ونظرتها عذبة، فيها كلمة دلع ولمسة حب، هذه الأماكن تبقى عنوانا لما هو جميل، يتشدق بها البعض ويغار منها الآخرون، لبنان الذى يبدو أنه يسقط اليوم سقوطا حرا يعود إلى الأذهان باللونين الأحمر والأخضر، ألوان زاهية وأشجار كثيفة، كرم وحفاوة، دفئ وضحك.
***
الأخبار من لبنان محبطة، سقوطه الحر هو طريق سريع ينتهى بالبلد مرتطما بالأرض فتتكسر أضلاعه، يهوى لبنان بشكل عامودى حاملا معه ناسه وهم يستغيثون: أوقفوا عربة الموت، أخرجونا منها قبل أن تتبعثر قطع العربة بمن فيها على الأسفلت.
***
يصعب على أن استحضر صورة للبنان لا ماء ولا خضرة وموسيقى فيها. لا أعرف عن لبنان سوى الشمس والموائد العامرة والأحاديث المشتعلة حول أى موضوع. أعرف طبعا أن حربا أهلية طاحنة كانت قد أطاحت بالكثير من معالم وشخصيات لبنان ومزقت مجتمعه، وأعرف أن الحرب، ورغم مضى قرابة الثلاثين عاما على انتهائها إلا أنها لم تترك أذهان وقلوب اللبنانيين تماما، لكن ثمة سحر فى لبنان يبدى دوما صورة الحياة على صورة الموت، فتظهر وجوه مستمتعة بالشمس بدل أشلاء ممزقة على خطوط التماس، أسمع فى كلمة «لبنان» ضحكات ولا أسمع العويل، أشم رائحة الزعتر ولا أشم البارود.
***
أتساءل كيف لبلد لطالما عاش على حافة الهاوية أن يبقى على الثبات، كيف لبلد مزقته الحرب أن يعيد نسج نفسه كثوب مزركش، كيف لاقتصاد يجمع الكل على أنه مرقع أن يفرد نفسه على منطقة بأكملها فيجذب مدخرات ورءوس أموال ويحث من يزور البلد على الصرف دون تفكير.
***
مذهل لبنان فى تركيبته وفى تناقضاته، لكن أكثر ما يستوقفنى هو قدرة البلد على الحضور دوما فى أبهى حلة رغم الصعاب. فى لبنان ما زال حطام الحرب يحيط بالناس، مخيمات اللاجئين تذكر بدفاتر مفتوحة لم تحسم الحسابات فيها بعد، أحزمة الفقر تضغط على بطون المدن الممتلئة، قصص العنف تملأ الأفواه، رواسب الكره تتجمع فى القاع كما تتجمع رواسب القهوة فى الفنجان. ماذا ترين فى الفنجان يا جدة؟ أرى طريقا وعرا محفوفا بالآلام، يمتد حول الفنجان مرات كثيرة ولا ينقطع، لا شىء فيه يبدو سهلا. انظرى هنا هل ترين كل هذه المشقات؟ كلها تحاول أن تقطع الطريق وتفشل فهو مستمر، لكن بصعوبة.
***
حزينة أنا من أخبار لبنان، لا أصدق أن البلد الأعجوبة الذى لا يموت أصبح اليوم يحتضر. بدأت علاقتى مع لبنان بعد انتهاء الحرب الأهلية لكن قبل مشاريع إعادة الإعمار المتوحشة التى ربما رممت الحجر لكنها لم ترمم الأرواح أبدا، أذكر مناطق كثيرة تهيأ لى حين زرتها للمرة الأولى أن وجوها سوف تخرج من الفتحات التى خلفها الرصاص والانفجارات فى العمارات. كنت أمشى فى أحياء سمعت عن المعارك التى دارت فيها فأرى أشباحا بين الأنقاض، كنت أتبع طفلة تقفز فوق الركام وأسمع صوت الرصاص على خلفية احتفال برأس السنة، يصرخ أحدهم عدا تنازليا ويصفق من حوله ثم تنفجر قنبلة فيخيم صمت مميت على الاحتفال.
***
هكذا لطالما رأيت لبنان، ألعاب نارية تنفجر فى السماء بألوان رائعة لكنها تختفى حين تصل إلى الأرض بين حطام البلد وحطام الأرواح. بلد لا يموت إنما فى عدم موته جهدا شاقا على من يعيش فيه، تعبير «عايش من قلة الموت» كثيرا ما ينطبق على أهل البلد، رغم أنهم يستقبلون قلة الموت بكلمات معسولة وابتسامات مشرقة كإشراقة شمسهم المتوسطية حين تضىء البحر فتذوب فيه كل الهموم.
***
لبنان البلد الأعجوبة بجماله وقسوته، بحيويته ورائحة الموت التى تخيم عليه. لبنان المفتوح كالبحر الأبيض المتوسط والمغلق كبير عميق صب أحدهم فوق فوهته الأسمنت فمنع الناس من الوصول إلى مائه. جمال لبنان لا يضاهيه سوى بشاعة أبنيته الحديثة الدخيلة على شوارع مدنه الضيقة. خفة روح البلد لا ينافسها سوى ثقل أزماته المتكررة. فى فنجان لبنان رواسب قهوة تحتار الجدة فى تفسيرها، فثمة إشارات متداخلة للموت وللحياة لا تعرف قارئة الفنجان كيف تفك شيفرتها.
***
يبدو أن لا خلاص للبنان ولا موت أيضا. هى حالة مستمرة من الشفق، ذلك الخط الرفيع الفاصل بين الليل والنهار لا أعرف إن كان وقت النوم أو الاستيقاظ. بلد يبقى من فيه على رؤوس أصابعهم تارة يرقصون وتارة يحاولون الهرب. لبنان رقصة مستمرة للموت وضحكة لا تنتهى من الحياة. لبنان يسخر من الموت ويرقص للحياة، مع كل رقصة يرتطم بحائط فيسقط أحد أطرافه لكنه يستمر بالحركة. لبنان هو ذلك اللون الأحمر الذى يظهر عند الغروب، هو انتقال بين حالتين يدوم دقائق لكن يبقى أثره فى الأذهان لا ينمحى. لا يكاد أن يبزغ فجر لبنان حتى يعيد الليل إسدال سواده على من فيه فتختلط على أهله ساعات الليل بالنهار. لبنان يعنى حالة شفق.

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات