لعب الفيل على البرميل - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 8 ديسمبر 2019 12:01 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

لعب الفيل على البرميل

نشر فى : السبت 1 يوليه 2017 - 8:55 م | آخر تحديث : السبت 1 يوليه 2017 - 8:55 م

أطلقت فى السماء ألعاب نارية بعد أن أتى الليل بقليل، وصارت فرقة من لابسى الأقنعة تستوقف المارة للإعلان عن فقرات السيرك، فمازال هو وزيارة حديقة الحيوان من الأنشطة التى تجذب الناس فى العيد، رغم مرور الزمن وحرارة الجو. لم يعد التنويه عن فقرات السيرك يتم بلعب الموسيقى الحماسية كما فى السابق، عندما كان يسير أحد أفراده معلنا: «الليلة الليلة، تغيير عموم البروجرام، لعب الفيل على البرميل، لعب القرد على الحصان، علاوة على المغنى والطرب»، لكن يبقى المبدأ واحدا منذ أن وجد السيرك عند اليونان ثم الرومان: حلبة للترفيه وتقديم قدر من الإثارة لشغل الجمهور، ما وصفه بعبارات لاذعة الشاعر القديم جوفينال (60ــ140 بعد الميلاد) فى نقده لعصور الاضمحلال الرومانى وانشغال الناس عن أفعال الحاكم والديكتاتورية وأفول الإمبراطورية، قائلا: «هم يتهافتون فقط على شيئين: الخبز والسيرك بألعابه المختلفة»، ففى ذلك الوقت تحولت الحلبة الصغيرة إلى ملهاة، لا مجال للمطالبة بالحريات وخلافه، بل أصبح الاعتماد كل الاعتماد على الأعمال الخيرية والهبات والتبرعات التى يجود بها بعض المقتدرين لزيادة شعبيتهم وهيبتهم، فى ظل ضعف الحكم وسوء الأوضاع الاقتصادية. وحتى عندما كان يترك السيرك مساحة لامتصاص غضب الناس والتنفيس عن مشاعرهم كان ذلك لا يتعدى حدود الحلبة، إذ كانت هذه الأخيرة من الأماكن القليلة التى يجتمع فيها العامة والنخبة، فى إطار طقوس تقوى إحساسهم بالانتماء لإمبراطورية واحدة، رغم التفاوت بين الطبقات العليا والدنيا، وإحساسهم بوجود سلطة قادرة على تنظيم مثل هذه العروض الاحتفالية المسلية.
***
من سنة إلى سنة ظلت ثنائية أكل العيش والانغماس فى اللهو والترفيه هى التى تسوس، وبالطبع من وقت لآخر «يتغير عموم البروجرام» تبعا للزمن وطبيعة الظروف. اقترب السيرك من شكله الحالى فى غضون القرن الثامن عشر. وأسس فيليب أستلى، الضابط السابق فى الجيش الإنجليزى، أول سيرك حديث فى لندن عام 1770، ثم ظهرت خيمة السيرك كما نعرفها الآن فى 1830، وبعدها انتشرت فرق السيرك الجوال، وتطورت و«غيرت عموم البروجرام». هناك من نجح فى التطوير ليصبح أكثر معاصرة، وهناك من ظل يقدم لعب الفيل على البرميل. البهلوانات تدهن وشوشها بالأبيض وتضع الأنوف الحمراء. لاعبو الترابيز يقفزون فى الهواء. وأثناء ما يتابع الناس العرض، منشغلين بالأكروبات وأكل العيش، يحدث الكثير والكثير فى الكواليس، فألعاب السيرك الأخطر مكانها الكواليس، نتابعها هناك ونراقب الحيوانات عن قرب لنكتشف غالبا تغيرا فى سلوكها من فرط ما عاشت فى كواليس السيرك وأقفاصه، تماما مثل أقرانها فى حديقة الحيوان.
***
النمور تروح وتجىء فى أقفاصها، لا يهدأ لها بال. والدببة تدور وتدور إلى ما لا نهاية، والطيور بعضها ينزع ريشه بنفسه، والفيل يحرك رأسه يمينا وشمالا.. أعراض تدل على اضطراب نفسى كالذى يصيب البنى آدمين، على حد تعليق المتخصصين. والمشكلة أنه عندما يلعب حيوان بحجم الفيل على برميل وهو مضطرب عصبيا وواقع تحت ضغط، وهو بالأساس لا يجيد اللعب أو لم يتم تدريبه جيدا، يصبح فيلا فى بيت من زجاج أو فى محال لبيع الأوانى والتحف المصنوعة من الخزف الصينى أو البورسلين. غشيم فى اللعب، يحرك رأسه يمينا وشمالا، دون مراعاة لوزنه وثقله، فيكسر كل شىء.

التعليقات