معايير لضبط الثورات والحراكات العربية - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الخميس 19 سبتمبر 2019 3:38 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعدما أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم عن ترشيح 5 أسماء لتدريب المنتخب .. من تختار؟



معايير لضبط الثورات والحراكات العربية

نشر فى : السبت 1 يونيو 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : السبت 1 يونيو 2013 - 10:01 ص

المتتبِّع للكتابات النّاقدة الحديثة فى حقول السياسة والاقتصاد والاجتماع، ولكثير من المؤتمرات الدولية بشأن قضايا تلك الحقول، يلاحظ الاهتمام المتزايد لموضوع أهمية وضرورة عودة القيم الأخلاقية لتكون المعيار الذى يحتكم إليه عند مواجهة ومعالجة المشكلات المستعصية فى تلك الحقول.

 

إنه ردُّ فعل طبيعى على الانجراف المجنون نحو إبعاد القيم الأخلاقية الإنسانية أو تهميشها، بـل وممارسة كل ما هو ضدّ لها فى كثير من النشاطات البشرية فى العصور الحديثة. إنه وعى جديد مقاوم لما جاءت به من أهوال وفواجع الممارسة المكيافيللية فى السياسة، والأنانية المتوحشة الظالمة للرأسمالية العولمية ولليبرالية الحديثة فى الاقتصاد.

 

والإفراط العبثى فى ممارسة الفردية الجامحة غير المرتبطة بعلاقة إلتزام إنسانى أخلاقى تضامنى تجاه العائلة والمجتمع والوطن والعالم، وحتى تجاه بيئة المخلوقات غير البشرية.

 

وفى الحال يطرح السؤال التالى نفسه: وماذا عن مجتمعات بلاد العرب؟ ألم تكن قيم المكيافيللية القائمة على الخداع والأنانية والتفرُد هى السائدة فى الأنظمة السياسية العربية المتسلطة الفاسدة عبر القرون؟ ألم يكن الاقتصاد العربى الرَيعى القائم على توزيع الثروة على أسس الولاء والزبونية للحاكم والمقربين منه، بعيدا عن العدالة فى التوزيع والمكافأة، هو الذى ميز الحياة الاقتصادية العربية عبر العصور؟.

 

وإذا كان الغرب قد اشتكى من جموع الفردية المفرط فى الانغلاق على الذات أفلم تمارس المجتمعات العربية العكس من خلال سطوة المجتمعات على الفرد وخنق حريّاته الشخصية المشروعة ومنعه من الخروج على أى من العادات والتقاليد حتى ولوكانت بالية وغير منطقية؟ ألم تتماد تلك السطوة المجتمعية على الأخص بالنسبة للمرأة العربية لتحيلها إلى مخلوق هامشى خارج الحياة العامة ومن أجل المتعة فقط؟

 

فإذا كان ما حدث فى الغرب وغيره كان نتيجة منطقية لغياب القيم الأخلاقية من نشاطات المجال العام فإن الأمر ذاته حدث فى أرض العرب وكان أحد أهم أسباب التخلف الحضارى الذى نعيشه الآن.

 

●●●

 

 مناسبة الخوض فى هذا الموضوع وضرورة طرحه بقوة للنقاش هو الحراك الثورى والإصلاحى الكبير الذى يموج فى الوطن العربى كله. فإذا كان ذلك الحراك يهدف إلى إجراء تغييرات كبرى فى حقول السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة فإن ذلك كله سيكون جهدا ضائعا على المدى الطويل إن لم يعط اهتماما كبيرا للجانب القيمى لإحداث كل ذلك التغيير.

 

ذلك أن الحديث عن المعايير التى ستحكم تلك التغييرات يجب أن يبدأ الآن، خصوصا بعد أن أبانت العديد من التجارب العربية خلال السنتين الماضيتين من عمر حراكات الربيع العربى أنواعا ومظاهر مفجعة من غياب القيم الأخلاقية فى ممارسات بعض القوى السياسية.

 

دعنا نذكر مثالا واحدا صارخا. لقد انتهت بعض الثورات والحراكات الجديدة باستلام السلطة من قبل بعض جماعات الإسلام السياسى فى بعض الأقطار العربية. وكان منطقيا أن ينتظر الناس من تلك الجماعات أن تلتزم بصرامة وشفافية وصدق بقيم الإسلام الأخلاقية فى جميع تعاملاتها مع السياسة ومع متطلبات الحكم. ولا يحتاج الإنسان لذكر القائمة الطويلة من القيم الأخلاقية الكبرى التى جاء بها الإسلام.

 

  لكن الإنسان فوجئ بأن خمرة السياسة المكيافيللية لعبت بالرءوس وإذا بقيم من مثل الصّدق فى النيّة والعمل، ومن مثل القسط والعدالة حتى مع ذوى القربى ومع النفس، ومن مثل التعاضد والتفاهم والتسامح فيما بين مكوّنات الجماعات الإسلامية السياسية، وغيرها كثير.. إذا بكل تلك القيم التى حصلت على شرعيتها فى الحياة الإنسانية عن طريق الوحى الإلهى منذ قرون عربية طويلة ترتبك ويتلاعب بها من هذه الجهة أو تلك.

 

فإذا كان المصدر الإلهى لتطبيق القيم الأخلاقية لم يؤبه به من قبل البعض، ولا نقول الكل فنظلم أحدا، فما بالك بالأخذ بالمصادر الأخرى من مثل القانون الطبيعى ونتائج الدراسات السوسيولوجية الكثيرة، والمصالح المجتمعية المشتركة والأيديولوجيا الإنسانية، بل وحتى الحدس الإنسانى البحت؟

 

 إذن لابدَّ من جعل النقاش القيمى الأخلاقى جزءا أساسيا من الحياة العامة العربية الآن وفى الحال. فإذا كنا نريد من الثورات والحراكات أن تقود إلى تقدم نهضوى عربى شامل فلنطرح بقوة موضوع المعايير التى ستحكم ذلك النهوض، المعايير المجتمعية والفردية على السواء. ولنبدأ أولا بالنقد الشديد للأشكال السّوداء البغيضة من المعايير التى سادت الحياة العربية عبر العصور، ولكن بالأخص إبّان الحياة العربية المعاصرة.

 

●●●

 

  لقد فجعت الأمة فى عصرها الحديث بأناس ينادون بالوحدة العربية وهم قطريون حتى النخاع، وبوحدة الإسلام وهم طائفيون مبتذلون، وبالتسامح والتعايش المشترك وهم يهمشون أتباع الديانات الأخرى، وبالعدالة وهم فاسدون ناهبون للثروات العامة، وبالديمقراطية وهم مستبدون فى بيوتهم ونواديهم وأحزابهم.

 

إنها لعبة إقصاء القيم الأخلاقية وتشويهها. إنها لعبة الكذب على النفس وعلى الآخرين، بل وحتى محاولة الكذب على الله، تعالى عمَّا يفعلون.

 

 

 

مفكر عربى من البحرين

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات