الدين والعلم فى مواجهة كورونا - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 11:30 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

تنصح الأهلي بالتعاقد مع؟


الدين والعلم فى مواجهة كورونا

نشر فى : الجمعة 1 مايو 2020 - 9:20 م | آخر تحديث : الجمعة 1 مايو 2020 - 9:20 م

عندما تفجرت أزمة الكورونا بكل أبعادها السلبية والإيجابية تصدى لها بالطبع رجال السياسة والحكم، لكن كان الأكثر والأعمق والأشرس فى التصدى رجال الدين والعلم.. تصدى رجال العلم كان لانتظار العالم كله للحل وطرق مواجهة الفيروس والقضاء عليه ثم اكتشاف المصل واللقاح.. أما الدينى فهو لكى يعرف الناس هل هذا الوباء هو عقاب من الله فى مواجهة شرور الناس، أم امتحان لهم؟ أم نوع من التأديب؟ وهل الكورونا من إرادة الله أم من إبليس؟.. إلخ.. ومثل هذه الأسئلة مهمة خاصة فى بلادنا التى توصف بالتدين. بالطبع لن أستطيع التصدى لموقف العلم والدين فى مقال واحد لكنى سأبدأ بموقف الدين، ثم أتحدث عن موقف العلم فى مقال قادم.
***
منذ الحرب العالمية الثانية لم يواجه العالم أزمة نظير وباء كورونا كوفيد ــ 19، وقد وضح أن أكثر الناس فقرا وضعفا هم أكثرهم تضررا، لكن من إيجابيات هذه الأزمة كان تجاوب المحاربين ــ حتى الدواعش منهم ــ لنداء السكرتير العام للأمم المتحدة بوقف إطلاق النار، وفى نفس النداء وجه نداء للزعماء الدينيين لتجديد الإيمان بإنسانيتنا، فماذا كان موقف زعماء المؤسسات الدينية، والزعماء الدينيين؟ لقد دخلت هذه المؤسسات ورجالها فى اختبار من أقسى الاختبارات التى واجهتها فى تاريخها سواء فى شعبيتها أو نظامها أو ميزانيتها، لقد خضعت هذه المؤسسات لأزمة فكرية (لاهوتية فقهية) وأخرى سياسية وثالثة مصداقية.. ولنبدأ بالفكرية، فرغم أن التفسير العلمى للكورونا هو نتيجة تفشى كوفيد ــ 19 والذى له علاقة بالنسخة الأصلية القديمة من سارس Sars، إلا أن تجاوب المؤسسات الدينية لم يكن موفقا ولا إنسانيا باتهامهم البشر الذين أصيبوا بالمرض على أنهم السبب فى ذلك لأنهم أغضبوا الله.. فأرسل الله الفيروس للعالم كنتيجة لغضبه على الإنسان الذى ترك الإيمان وأهمل عباداته.. إلخ. وبالطبع نحن نعلم أن أكثر الناس تدينا هم الفقراء وكبار السن لأنه لم يعد لهم منفذ نفسى أو أدبى سوى اللجوء إلى الله، ولقد ثبت أن إسراع هذه المؤسسات بتفسير الوباء على أنه غضب الله يعلن أنهم لم يقرأوا أو قرأوا لكنهم لم يتأثروا بآخر المستجدات فى نظريات الفقه واللاهوت فى مواجهة الكوارث فى العالم سواء فى أوروبا أو دول شرق آسيا، فهم مازالوا يفكرون بالطريقة التقليدية وهى أن يبدأوا فى دراسة هذه الحالات بالتنظير الفقهى واللاهوتى ثم تطبيق التنظير الذى وصلوا إليه من خلال الكتب السماوية والفقهية على أرض الواقع، أو كما يقولون الفلسفة أو الحكمة فى الكتب المقدسة وكتب الفقه أولا ثم تطبيق تنظيرهم على أرض الواقع فى ضوئهما، أى الفكر قبل الحركة، أو كما يقول البعض دعونا نبنى أسس المعرفة أولا ثم نختار من هذا البناء الضخم للمعرفة ما يمكن تطبيقه فى كل حالة.
الحقيقة أن هذه الطريقة فى التفكير سقطت منذ زمن بعيد، فالأسلوب العلمى الحديث فى الفكر واللاهوت هو البدء بدراسة الحالة التى فاجأت علماء الدين فى العالم على أرض الواقع للتعرف على مصدرها وخلفيتها وحركتها وتأثيرها وبعدها الاجتماعى والأخلاقى واللاهوتى والفقهى والانغماس فى الحالة وطرق علاجها، أى أن يشمر رجال الدين عن سواعدهم وينزلون الميدان يساعدون المصابين، خاصة الفقراء منهم، ويتعاملون معهم ليس بكونهم خطاة أو أنهم وقعوا ضحايا لغضب الله لكن لكونهم بشرا، وبعد اجتياز خبرة رجال الدين (الإلزام بالقضية) والانغماس فيها إنسانيا ومعالجة المصابين، يأتى التشكيل اللاهوتى والفقهى النظرى للقضية أو الظاهرة، وهو ما فعله جميع الأنبياء، فالأنبياء قبل أن تأتيهم الدعوة عاشوا بين الناس كبشر عاديين، عانوا وتعبوا وخبروا الحياة العادية لشعوبهم بآلامهم وقضاياهم، ثم اختارهم الله من بين البشر المحدودين ليكونوا أنبياء له يحملون رسالته، فهم الأكثر إحساسا بقضايا ومعاناة شعوبهم فنجحوا فيما أرسلهم به إليهم.. وهكذا على رجال الدين أن ينغمسوا أولا فى قضايا الناس ويعانوا معاناتهم، وأثناء هذه المعاناة ومن رحمها يولد العلاج اللاهوتى والفقهى من فم العالم الدينى فتكون له المصداقية عند البشر الذين يخدمهم، والعكس صحيح إن لم ينغمس رجال الدين فى معاناة البشر تأتى إجاباتهم وفتواهم من الكتب بأفكار وأحداث قديمة سابقة، وحتى لو كانت شبيهة للواقع الحالى إلا أن الحضارة والثقافة والبشر دائمة التغير، بل حتى التعبيرات اللغوية تتغير لأن لغتها الأصلية حية، وهكذا عندما ينغمس رجال الدين فى القضية سوف يفسرون ويفتون من عرقهم النازل من جبهاتهم قبل أقوالهم فيعرف الناس أين يقف الله؟ وما الذى يريد قوله للمصابين؟، وما هو موقفه العام من الظاهرة؟
***
دعونى أذكر لكم بعض الأمثلة من رجال دين، فى الصين يوجد نحو ٥٠ مليون مسيحى و٣٠ مليون مسلم، وعدد ضخم من الهندوس والبوذيين، لقد كان خطاب هؤلاء الأقليات على اختلافهم وتنوعهم أن إلههم الذى يعبدونه هو الذى ضرب الصين بهذه الجائحة تأديبا لها لأنها كافرة وتضطهدنا، وهذا هو عقاب الله لهم، وقد استشهدوا جميعا من كتبهم المقدسة بآيات تعضد وتتبنى هذا الفكر على ما بينهم من اختلافات.
وكانت هذه الفتاوى فى الأيام الأولى لضربات الفيروس، فإذا بالفيروس يخدعهم ويخترق السعودية مركز الإسلام فى العالم وإيطاليا الفاتيكان مركز المسيحية الكاثوليكية فى العالم وأوروبا وأمريكا مركز المسيحية الإنجيلية وروسيا ومصر مركز الأرثوذكسية فى العالم.. ولا تنسوا مصر كنانة الله والتى زارها السيد المسيح والعذراء مريم.. بل من سخرية القدر رؤية رجال دين معظمهم من الذين أدانوا من ضربهم الفيروس يتساقطون ضحايا الفيروس الواحد بعد الآخر. ولو كانوا صبروا قليلا واستمعوا لخطاب البابا فرنسيس لاستراحوا عندما قال «إن العالم كله بكل توجهاته وأديانه ومذاهبه فى سفينة واحدة، وبعد اجتياح ذاك الوباء لمعظم البلاد أدركنا أننا موجودون على نفس السفينة، ونحن جميعا مدعوون لأن نشجع ونواسى بعضنا البعض، لقد انتبهنا إلى أنه ليس بإمكاننا أن يسير كل واحد بمفرده وإنما علينا أن نسير معا». الغريب أن بعض قيادات مسيحية هاجمت البابا لأنها تعتقد أنها هى فقط التى تمتلك الحقيقة المطلقة.
لقد اعتبر بعض اليهود المتدينين أن فيروس كورونا هو إحدى علامات الساعة لمجىء المسيا المنتظر وبناء الهيكل، واعتقد بعض المسيحيين أنها علامة المجىء الثانى للسيد المسيح واعتقد بعض الشيعة إنها علامة عودة المهدى المنتظر.
بعد هذا العرض نستطيع أن نخرج ببعض الدروس العامة المستفادة أو الحكم أو النتائج أو سمها ــ عزيزى القارئ ــ كما تشاء:
١ــ الخطورة ليست فى فيروس كورونا لكن فى فيروس الكراهية للآخر المختلف ولبعضنا البعض فضلا عن فيروسات أخرى مثل الطمع والغباء.
٢ــ إن الدين بكل سلطانه لم يمنع اقتحام الفيروس لعالمنا رغم الصلوات والدعوات التى ترتفع من المساجد والكنائس يوميا، وبعد الإصابة لم يقم بعلاجه، لذلك علينا أن نضع الدين فى مكانته الخاصة به، ولا نورطه فى مثل هذه الأمور.
٣ــ الحياة غير مطمئنة على هذه الأرض والدين هو أكبر عامل لاطمئنان الإنسان لو تم تفسيره بطريقة صحيحة لأنه يرفع عيوننا وقلوبنا للسماء.
٤ــ رجال الدين غير قادرين على إنقاذ أحد من أى مرض فى العالم.
٥ــ الشعوب التى تفهم الدين بطريقة صحيحة هى التى التزمت بإجراءات الوقاية، والالتزام يكشف المتدين الحقيقى من المزيف.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات