«غيوم فرنسية».. رواية الأسئلة الشائكة - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الخميس 2 يوليه 2020 11:21 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

«غيوم فرنسية».. رواية الأسئلة الشائكة

نشر فى : الجمعة 1 مايو 2020 - 1:50 ص | آخر تحديث : الجمعة 1 مايو 2020 - 1:50 ص

تعالج هذه الرواية المهمة تفاصيل تاريخية شائكة فى مرحلة انتقال معقدة، سواء فى تاريخ مصر أو فرنسا، ورغم ذلك، تنجح إلى حد كبير فى نقل هذه الأسئلة إلى قارئها، لا تفرض المؤلفة منطقها، وإنما تجسد حيرة شخصياتها، وصراعاتهم الداخلية والخارجية، وتطرح أيضا تحولات زمن الأحداث العاصفة.

مفاهيم مثل «الهوية الوطنية»، و«الهوية الدينية»، و«الثورة»، و«الاستقلال»، و«الحرية»، كلها تتعرض للاختبار، سواء فى عالم الشخصيات المصرية أو الفرنسية، يبدو لنا فى النهاية أن الغربة لم تكن حلا، وأن المحاولة لم تثمر، فى انتظار محاولة جيل آخر قادم.

«غيوم فرنسية» لمؤلفتها ضحى عاصى، والصادرة عن دار ابن رشد، فيها جهد كبير يستحق التقدير، سواء فى الاستفادة من مادة التاريخ، أو فى رسم معالم الفترة الزمنية، أو فى إضاءة وقائع مهمة وملتبسة، محورها شخصيات من الفيلق القبطى، الذى ساند الحملة الفرنسية فى مصر، مؤسس الفيلق هو المعلم يعقوب الذى منحه الفرنسيون رتبة الجنرال، الآن وقد غادر الفرنسيون، فقد أخذوا معهم إلى فرنسا فئات شتى، ليس من رجال الفيلق الأقباط فحسب، ولكن من الأروام والمصريين المسلمين، ومن النساء والجوارى، كل من ارتبط بهم، وكل من أصبح وجوده مهددا فى مصر، اختار الرحيل مع رجال الحملة.

صعوبة الرواية ليست فقط فى الفترة العجيبة ما بين نهاية عصر الفرنسيين، وصعود نجم محمد على، والفترة الأعجب فى فرنسا ما بين عودة بونابرت، ثم صعود نجمه كإمبراطور يغزو أوروبا، ولكن الصعوبة أيضا فى التعبير عن منطق الشخصيات التى يمكن النظر إليها من زاويتين بينهما مسافة واسعة جدا، ما بين تخوين واتهام بالعمالة للمحتل، وبين اعتبارها محاولة لطلب استقلال الوطن، وتحريره من الأتراك على وجه التحديد.

لذلك أصبح تعدد الأصوات عنوان السرد فى معظم الأحيان، وبينما تتابع ضحى عاصى بالأساس شخصياتها العائدة إلى فرنسا، على مدى عدة سنوات، مثل فضل النجار الذى ترك زوجته محبوبة، وصار كولونيلا فى جيش نابليون، وعبدالملك كاهن الكنيسة، الذى صار صاحب ورشة فرنسية كبرى، وأصبح كذلك مؤلفا للكتب، ومنصور حنين الذى عمل أيضا فى إدارة الجيش الفرنسى، وجين أو سعيدة، الفتاة الفرنسية التى خطفت فى طفولتها، فصارت جارية فى مصر، وها هى تعود إلى ما تبقى من عائلتها الفرنسية، وزهرة ابنة الشيخ العطيفى، المصرية المسلمة التى صارت أرملة لقائد فرنسى.

إلا أن الشخصيات التى بقيت فى القاهرة، وعلى رأسها محبوبة، زوجة فضل، هى أيضا شديدة الأهمية، وهى التى تعبر عن منطق مخالف، أرادت كاتبة الرواية أن تعكس تعقيد الظاهرة والعصر معا، فليس كل الذين ارتبطوا بالحملة من الأقباط، والكنيسة نفسها كانت ضد المعلم يعقوب وفيلقه، وهناك مشايخ من المسلمين ارتبطوا أيضا بالحملة، وصراع الشخصيات فى فرنسا هو أيضا صراع دينى وحضارى، لاختلاف مذهب الفرنسيين الكاثوليكى، عن مذهب الأقباط الأرثوذكسى، بل إن فرنسا الثائرة كانت متمردة وقتها على الدين كله، وكانت تعيش فترة متقلبة للغاية، جعلت الصراع يمتد إلى الشخصيات الفرنسية نفسها مثل فرانسواز، وجين، والقائد فابيان، إنها فترة التساؤلات الصعبة بامتياز، سواء فى التاريخ المصرى أو الفرنسى.

هنا معالجة لامعة وذكية، لا استسهال ولا تنميط، كل شخصية تتحدث بمنطقها، وتبرر مواقفها، ورغم إشارة الرواية إلى مكاتبات شخص يحمل اسم نمر أفندى مع الفرنسيين والإنجليز، سعيا لنيل استقلال مصر، فإن نهاية الرواية بالعودة إلى مصر ومحبوبة، وظهور فضل آخر شاب، هو ابن الكولونيل فضل، ووصول الضابط الفرنسى سيف لتأسيس الجيش المصرى، كل ذلك يكشف الإنحياز إلى فكرة العودة إلى الحل من الداخل، مهما كانت بواعث ترك الوطن وجيهة أو إجبارية.

الذاهبون إلى فرنسا حاولوا الإندماج، ولكنهم لم يجدوا الحلم، بل اكتشفوا حيرتهم فى مجتمع حائر، الصراع بدا أحيانا بين أفكار مثالية وأخرى واقعية، ثورة الحرية والمساواة تحولت إلى مجزرة، وحيرة فرانسواز تحديدا لا تقل خطورة عن حيرة ومعاناة فضل أو زهرة أو منصور أو عبدالملك.

لعل معنى الرحلة كله هو أن التاريخ، مثل الواقع، عالم معقد للغاية، وأن الأفكار وحدها لا تكفى، فلا بد أيضا من قراءة الواقع، هناك بحث دائم بالتأكيد عن أشياء مطلقة كالإيمان بشىء ما، وكالحرية كهدف وسبيل، وكالحب باعتباره وطنا بديلا، وهناك رفض للظلم والعبودية سواء فى الوطن أو خارجه، ولكن الطريق شاق وطويل، والدفاع عن الاستقلال لا يقل أهمية عن الحصول عليه.

التعليقات