خلل الأولويات فى الدولة العربية - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 3:40 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


خلل الأولويات فى الدولة العربية

نشر فى : الخميس 1 مايو 2014 - 7:00 ص | آخر تحديث : الخميس 1 مايو 2014 - 7:00 ص

هناك موضوع نادرا ما يطرح فى السّاحة الإعلامية الجماهيرية العربية، مع أنه بالغ الأهمية بالنسبة للفرد العادى، خصوصا إذا كان من ذوى الدّخل المحدود. فموضوع النقل والمواصلات مفصلى فى الحياة اليومية بالنسبة للذهاب إلى مكان العمل أو قضاء الحاجات المعيشية أو التفاعل الاجتماعى مع العائلة والآخرين. وهو مثلا لا يقلُّ أهمية عن موضوع الإسكان الذى تلوكه الألسنة ليل نهار.

لكن أهم ما فى الموضوع هو جانبه العام الذى يرتبط بحاجات الملايين العرب الفقراء وذوى الدّخل المحدود. فالمجتمعات التى لا تولى اهتماما لسد الضروريات فى حياة الطبقتين المتوسطة والفقيرة إنما تساهم فى اضطرارهم للدخول فى جحيم الاستدانة وشحّ متطلبات العيش اليومى لهم ولمن يعيلون وذلك من أجل توفير وسائل المواصلات الشخصية لهم ولعائلاتهم.

•••

موضوع النقل العام ليس فقط موضوعا اجتماعيا، إنه أيضا موضوع بيئى ــ صحّى واقتصادى بامتياز.

فمن الناحية البيئية، وبالتالى الصحية، أثبتت الكثير من الدراسات الميزات الكثيرة لوسائل النقل العام.

إذا احتسب سفر الفرد الواحد لمسافة ميل واحد فإن استعمال السيارة الخاصة، مقارنة باستعمال وسائل النقل العام (القطارات أو الباصات، ينفث فى الهواء وعلى التربة بمقدار الضعف لشتّى أنواع الغازات والملوَّثات الكيميائية الأخرى) إن الباص الواحد ينفث من تلك الغازات بمقدار يقلُّ عما تنفثه عشرون سيارة صغيرة وهناك دراسة تظهر أن نقل البضائع بالقطار، مقارنة بنقلها بالشّاحنات الكبيرة، يقلُّل انبعاث غاز أكسيد الكربون الشهير بنسبة ثمانين فى المائة.

والنتيجة لكل ذلك هو زيادة هائلة فى كثافة ما يعرف بالضباب الحمضى الذى يغطى سماء عواصم ومدن العرب الكبرى إلى حد حجب بعض المدن العربية عن ضياء الشمس فى بعض الأحيان. وليس المجال هنا لتفصيل المضار الصحية الناتجة عن ذلك التلُّوث خصوصا بالنسبة للذين يعانون من أمراض الرٍّئة والحساسية.

وإذا كان هناك من المسئولين من لا يعنيه الجوانب البيئية ولا الصحية فإن هناك دراسات اقتصادية. هناك دراسات تبيّن أن ما تحتاجه وسائل النقل العام من قطارات وباصات من كميّة الطاقة لنقل الفرد الواحد يقلُّ بمقدار خمسة أضعاف إذا قورن بالطاقة التى تستعملها السيارات الخاصة.

فإذا أضيف إلى ذلك أن النقل العام سيقتصد فى مقدار الأرض المطلوبة للمواصلات، وأثمانها فى بعض المدن وصلت إلى أثمان خيالية، وأن محدودية تلويثه للهواء يودى إلى التقليل من تدمير التربة الزراعية ومن القضاء على شتّى الكائنات الحيّة فى الطبيعة، فإننا أمام ميزات اقتصادية مهمة للنقل العام.

•••

إذن لنطرح السؤال الآتى:

ما الذى يجعل غالبية الحكومات العربية تتجاهل الاهتمام بهذا الموضوع بالرغم من كل الدلائل التى أشرنا إليها وبالرغم من أن نصف سكان الأرض العربية من الفقراء المعوزين؟ بل هناك دلائل جديدة على أن الطبقة المتوسطة فى البلدان المتقدمة بدأت تهجر السيارة الخاصة، بسبب ارتفاع أثمانها وأثمان الوقود والصيانة وندرة مواقف السيارات والازدحامات المرورية الخانقة، وتتجه نحو وسائل النقل العام. مثال على ذلك أن نسبة مستعملى القطارات فى انجلترا زادت بمقدار 4% فى السنوات العشر الأخيرة.

هل أن مثل تلك الحكومات ليست لها حساسية تجاه بيئة أوطانها وصحّة شعوبها وقرب انتهاء حقبة البترول الرخيص، حتى فى بلدان الثروات البترولية؟

فى اعتقادى أن الجواب يكمن فى موضوعى التخطيط والأولويات. أما غياب التخطيط فى بلاد العرب فأمره معروف ولا يحتاج إلى توضيح مآسى وضعه وبطء تنفيذ خططه.

لكن الإشكالية الأكبر هى فى اعتقادى إشكالية الأولويات فى جدول أعمال هذه الحكومات. فمنذ قيام دولة الاستقلال العربية والحكومات المتعاقبة جعلت أولوية الأولويات فى الصّرف من الميزانية تذهب إلى نشاطات ومؤسسات الأمن الداخلى التى تتضخم سنويا بشكل كبير من أجل ضبط المجتمعات المدنية وتأجيل التغييرات الكبرى، وكذلك تذهب إلى الصّرف على العساكر وشراء وتجديد وصيانة الأسلحة الحديثة الباهظة الثمن، وعلى التبذير فى حقول الإعلام والعلاقات العامة والمشاريع المظهرية التى لا للاقتصاد ولا للتنمية الإنسانية دخل بها.

•••

لا يشك أحد فى أهمية استقرار الأمن الداخلى وتوفّر القدرة على ردع العدو الخارجى. لكن عندما يتمُ الصّرف على بعض المرافق والخدمات بسخاء يصل أحيانا إلى حدود التبذير وتحرم مرافق وخدمات أخرى مما يمكنها من الوقوف على أرجلها لخدمة المواطن المحتاج لكل دعم فى هذا الزمن الصعب.. عندما يحدث ذلك فإننا أمام ممارسة تفتقر لقيم العدالة والإنصاف مهما تكن التبريرات التى تقدّم.

هناك حاجات معيشية يومية للمواطن لا يحق لأحد ولا لأية جهة التلاعب بها ووضعها فى آخر الأولويات.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات