عن طائفة البارسيين (Parsis) فى الرحلات العربية - العالم يفكر - بوابة الشروق
الإثنين 18 نوفمبر 2019 12:44 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

عن طائفة البارسيين (Parsis) فى الرحلات العربية

نشر فى : الإثنين 1 أبريل 2019 - 10:45 م | آخر تحديث : الإثنين 1 أبريل 2019 - 10:45 م

نشرت مؤسسة «الفكر العربى» مقالا للكاتب «محمد عفان» تناول فيه تاريخ طائفة البارسيين فى الهند وكيف وصفها الرحالة العرب فى كتاباتهم. فتحدثوا عن مبادئهم وطقوسهم وتقاليدهم وخاصة طريقة دفن موتاهم إلى جانب نجاحهم الباهر فى الصناعة والاقتصاد الذى يعد مستمرا حتى وقتنا الحالى.
لَفتتْ طائفة البارسيين فى الهند، على الرغم من ضآلة عددها، أنظارَ معظم الرحالة العرب، وذلك لسببَين رئيسَين: نجاحهم الباهر فى مجالَى الاقتصاد والاجتماع، وطريقة «دفْن» الميت. ولهذه الطائفة دَور مؤثِر وحيوى فى تصنيع الهند، وفى تحويل مدينة مومباى إلى عاصمة اقتصادية.
جاءت هذه الأقلية الدينية العرقية إلى بلاد الهند من إيران قبل ألف سنة وأكثر لأسبابٍ تجارية ودينية، وذابت فى المجتمع مُسهِمة فى تجميل الحياة الهندية، لكنْ مع احتفاظها بامتيازها العرقى، وموروثها العقدى والثقافى.
إنها طائفة «البارسيين»، نسبة إلى مَوطنها الأصلى «فارس»، أتباع الديانة «الآفستية»، أو «المزدية» أو «الزرادشتية» كما اصطلَح عليها الأوروبيون والعالَم فيما بعد، أو «المجوسية» التى راجت بين المُسلمين رواجا أكثر من غيرها من الأسماء، أو «مزدا يسنا» التسمية التى تصر على استخدامها الأستاذة صبر. ج. هافيوالا، لأن مُصطلح الزرادشتية فى رأيها «يفشل فى بيان مبادئ هذه الديانة العظيمة وأهدافها وفلسفتها»، أو عبدة النار نظرا لقداستها عندهم وتقديسهم إياها.
يُشكِل البارسيون أقل من 0.007 % من مُجمل سكان الهند. لكن إسهاماتهم أكثر بكثير من عددهم، إذ كان دَور هذه الطائفة الصغيرة فى إثراء الهند المُعاصرة ملموسا، بحيث شملت إسهاماتهم هذه مجالات التجارة والصناعة والقانون والأدب والدفاع والنضال الوطنى والموسيقى والعلوم النووية.
***
يُقال إن أفراد هذه الطائفة هاجروا خَوفا من الاضطهاد الدينى وحِفاظا على مُعتقداتهم وصَونا لكرامتهم، فى حين لا يَستبعد البعض الدوافع التجارية أصلا، ولاسيما أن نتائج التحقيقات الناتجة من الحفريات تُشير إلى أن المُهاجرين كانوا من التجار، وعلى عِلم بطُرق التجارة، وبالمكان الذى اختاروه للإقامة، أى منطقة «غوجرات» التى كانت مركزا تجاريا حيويا.
وقد تضافَرت الظروف فى ظل الاستعمار الإنكليزى للهند، من أجل ارتقاء هذه الطائفة وازدهارها. فيما استغلَ البارسيون الإمكانيات والفُرص التى وفَرها لهم الاحتكاك بالإنكليز على أحسن وجه؛ فنهلوا من الثقافة الغربية بقدر ما استفادوا من الفُرص التجارية.
ممبئى (مومباى الآن) هى مدينة الزحام والأحلام والأفلام قبل أن تمسها عصا الإنكليز السحرية وتحوِلها إلى ما هى عليه الآن. وقصة صعودها هى قصة سطوع نجْم البارسيين. وفى هذا الصدد يقول محمد المخزنجى: «ومع صعود المدينة البارق من وهاد الجزر إلى قمة الاقتصاد الهندى، صعد المجوس بسرعة صاروخية قبل أن تُكتشف الصواريخ».
يُسجَل للبارسيين فى الهند الكثير من الإنجازات التى أسهمَت فى تنمية الهند اقتصاديا واجتماعيا، ومن أبرزها، إنشاء بورصة بومباى فى العام 1875 (أول بورصة فى آسيا)، ومَصنع تاتا للحديد والصلب (أول مصنع للصلب فى الهند)، والبنك المركزى الهندى (أول بنك هندى)، وشركة طيران الهند (أول شركة طيران فى الهند)، وفندق تاج محل (أول فندق خمس نجوم)، و«كلية السير JJSchool» للفنون والعمارة (أول كلية للفنون الجميلة)، وأول مستشفى عام، كذلك أول مستشفى للحيوانات.

البارسى فى الرحلات العربية

استرعَتْ هذه الطائفة انتباه معظم الرحالة العرب الذين زاروا الهند، ما دفعهم إلى الحديث عنها ولو اقتضابا، فى جملة أو جملتَين؛ إذ قامت هذه الرحلات فى فترات مُختلفة تمتد إلى قرن ونصف تقريبا، بدءا من رحلة «الهند كما رأيتها» لفتح الله الأنطاكى، و«مشادات فى الهند» لأمينة السعيد فى أربعينيات القرن الفائت قبل انقسام الهند، مرورا بـ«حول العالَم فى مائتَى يوم» لأنيس منصور فى ستينيات القرن الفائت، و«رحلاتى فى العالَم» لنوال السعداوى فى السبعينيات، وصولا إلى «جنوبا وشرقا: رحلات ورؤى» لمحمد المخزنجى، و«فى غرب الهند: مشاهدات وأحاديث فى شئون المسلمين» لناصر العبودى فى الثمانينيات. وربما لم يسنَح لأنيس منصور الاحتكاك بهذه الطائفة ومُشاهدتها عن كثب، فجاء كلامه على هامش حديثه عن المَخاطر فى الهند. أما زملاؤه الرحالون الآخرون فعرفوها معرفةَ دراسةٍ ومُشاهَدة.
ومما جذبَ اهتمام الرحالة العرب بهذه الطائفة دون الطوائف والجماعات الهندية الكثيرة، الصغيرة منها والكبيرة، ما جاء فى حديث محمد المخزنجى، الذى أورد يقول: «الذى استوقفنى وأثار فضولى فى الزرادشتيين ــ المجوس ــ شيئان: أولهما هذا النجاح اللافت للانتباه فى التجارة والصناعة، ومن ثم مُراكَمة الثروات والتميُز الاجتماعى الخارق للعادة، وثانيهما ما يتعلق بالطقوس، بخاصة مَعابد النار، وطريقة دفن موتاهم.. فى بطون جوارح الطير!». وفى رأينا، ينسحب السببان المذكوران نفسهُما على الرحالة الآخرين.
وحين نُلقى نظرة عابِرة على الرحلات التى نحن بصددها، نجد فتح الله الأنطاكى ومحمد المخزنجى أكثر زملائهم الرحالة اهتماما بهذه الطائفة. فالتفاصيل عن مُعتقداتها وطقوسها المُختلفة التى نجدها عندهما لا نجدها لدى الآخرين. يتحدَث الأنطاكى عن «النبى» زرادشت، وتاريخ ظهوره، وكِتابه المقدَس، ويذكر فى هذا السياق «الزندأفستا»، والصحيح أن «أفيستا» هو الكِتاب المقدَس بينما الزند هو تفسيره، وهو من النصوص التى لها قداستها عند البارسيين؛ ثم ينتقل إلى «إله أهورامزدا» ويذكر من صفاته خالِقا وربا، فهو «خالق الخلق رب السموات الأرض» الذى أوجد هذا الكون فى ستة أيام، كما يتناول أمر الصراع بين أهورامزدا وإله الشر الذى ينتصر فيه الله ويُلقى بإله الشر فى الجحيم، والأمور الأخلاقية التى على الزرادشتيين أن يلتزموا بها فيكتب: «ويقول زرادشت فى كِتابه المقدس إن الله علَتْ كلمته وجلَّت قدرته أمرهُم بأن يسيروا فى حياتهم فى طريق النزاهة والاستقامة والشرف، وأن تكون أفكارهم دائما منصرفة إلى الأعمال الصالِحة لكى ينعموا فى الآخرة بجنات الخلد». ويلاحظ أيضا: «وأول مبدأ من مبادئ النبى زردشت عمل البر والإحسان، ومُساعدة الفقراء والمُحتاجين». ويبدو الأنطاكى مُلما أيضا بتاريخ الزرادشتية كدينٍ رسمى للفُرس، وبقصة تقلصها واختفائها بعد الفتح الإسلامى، والأسباب المؤدية إلى ذلك، وهجرة أتباعها إلى الهند، وعددهم فى الوقت الحالى. ومن أسباب الهجرة الواضحة لديه الاضطهاد الدينى من قِبل المُسلمين.
ويبين الأنطاكى أيضا أهمية النار والشمس ومكانتهما لدى أتباع هذه الديانة. ولا يفوته أن يشير إلى الأصوات التنويرية التى تُطالِب بإدخال التغيير على هذه الديانة القديمة ومواكَبة التطورات الحضارية، وهذه مسألة جرت الإشارة إليها فى حوار بين نوال السعداوى ومضيفتها العائلة البارسية.
ينتهى حديث فتح الأنطاكى عن البارسيين مُكتفيا ببيان المَراسِم الخاصة بالطفولة، ولا يشير حتى إشارة خاطفة إلى الطقوس المتصلة بالموت، وهى الطقوس نفسها التى بدت فى غاية الغرابة من منظور الآخرين من زملائه الرحالة، ومن بينهم محمد المخزنجى، الذى كان أكثرهم اندهاشا واستغرابا حيال هذه الطقوس وأكثرهم تفصيلا لها.
***
تحدَث محمد المخزنجى عن مُشاهداته عن الهند فى مَوضعَين من كِتابه «جنوبا وشرقا.. رحلات ورؤى»، وسجَل ما شاهده من أوضاع البارسيين وشئونهم تحت عنوان «الهند (مومباى) من أبراج المجوس إلى مَعابد الفلوس». وقد شدَ اهتمامه فندق تاج محل الأسطورى وتِلال مالابار المُظلِلة لـ«الدوخمات» (أى مقبرة البارسيين)، فشغلا خواطره، بحيث رسم لوحة فنية بديعة لمدينة ممبئى، بدت معها المدينة حية ونابِضة وصاخِبة، وكأنها ستقفز من صفحات الكِتاب.
فى الواقع اهتم محمد المخزنجى بأماكن تواجد الزرادشتيين فى العالَم، لذا أثار وجودهم فى الهند فضوله، لذا يقول: «لم أكنْ أتصوَر أبدا حتى سنتَين خلتا أن يكون هناك مجوس باقون فى هذا العالَم». وخلال زيارته كراتشى، حاول أن يطلع على سر برج الصمت، وحاوَر الحارس وفاوضه، وضرب صفقة معه من أجل هذه الغاية، ولكنْ حينما وصل إلى المكان المطلوب ليلا توجَس خيفة على نفسه نظرا لحوادث القتل والفتك والاغتيال فى كراتشى، فتخلى عن الفكرة... حتى إذا ما جاء إلى «مومباى» عادت شهية فضوله لتتفتَح لمُلامَسة المزيد من الحقائق عن المجوس.
على أى حال تحدَث محمد المخزنجى فى رحلته هذه عن الموضوعات العامة المتعلقة بالبارسيين، فتحدَث عن زرادشت، وتاريخ ظهوره، والمبادئ الأساسية لهذه الديانة، وكِتابها، وطائفة البارسيين وطقوسهم وتقاليدهم، ونجاحهم الباهر فى الصناعة والاقتصاد، وأخيرا طُرق دفنهم الموتى، والتى تجشَم المُعاناة للاطلاع عليها.
***
كما روى عن الطفل البارسى فى سياق الكلام على طقوس الطفولة، فذكر «السدرة» أو الصدرية و«الكوشتى» المؤلَفة من اثنَين وسبعين خَيطا، واللَتَين ينبغى على الطفل لبسهما إذا ما بلغ السابعة أو بعدها بثلاث وأربع سنوات. وهو يشير إلى طقوس «نافجوت»، أى التعميد الذى يجب على كل زرادشتى أن يخضع له، ويذكر كذلك الكاهن المجوسى الذى يسمى «دستورا»، ومَلابسه المكوَنة من ثياب بيضاء وعمامة بيضاء وقناع على الفم يوضَع لكى لا تُدنَس النار المقدَسة، هذا فضلا عن التراجُع المستمر لعدد البارسيين المتناقص بسبب الموت الطبيعى أو زواج الجيل الشاب خارج نطاق الطائفة. ذلك أن هذا الزواج مرفوض، وإذا ما قام به أحد يتم طرده من الجماعة.
أما «تلال مالابار»، فتضم أبراج الصمت أو «مقبرة» البارسيين بخضرتها اليانعة المُنبسطة وجمالها الطبيعى، وهدوئها الساجى. والحياة فيها تختلف اختلافا شديدا عن الحياة فى الأحياء الشعبية حيث يشكِل الفقر والضجيج والضوضاء مَلمحها الأساسى. لذا يتم التوقف عندها والاستطراد فى توصيفها بغية إظهار التباين الصارخ فى مستوى الحياة بين طبقة اجتماعية وأخرى.
وتنتهى مُشاهدات محمد المخزنجى مع تصويرٍ فوتوغرافى لمَراسم «الدفن» التى تختلف عما هو سائد لدى الهندوس، الذين يقومون بحرق موتاهم، أو عما هو سائد لدى المُسلمين، الذين يقومون بدفْن موتاهم تحت الأرض. فالبارسيون يتركون جثامين موتاهم بعد القيام بالطقوس الأخيرة على أبراج الصمت، إذ يعتبرونها نَجسة منجِسة لأنها مسرح لنوازع الخير والشر، وحِرصا على عدم تنجيس العناصر الأخرى من نار وأرض وهواء وماء. وبالتالى، تُترك الجثث لكى تلتهمها جوارح الطيور وكواسرها، وما يبقى من عِظام تعمل عليه الشمس والمطر وتقلبات الفصول والأنواء ويحيلها إلى كِلس ورفات فيتحلَل وينزل من مَنافذ شبكية إلى آبارٍ ذات حصايا ورمال تستبقى البقايا وتدَع سواها يَخرج من مَسارِبها إلى البحار والأنهار.

الاقتباس
يُشكِل البارسيون أقل من 0.007 % من مُجمل سكان الهند. لكن إسهاماتهم أكثر بكثير من عددهم، إذ كان دَور هذه الطائفة الصغيرة فى إثراء الهند المُعاصرة ملموسا، بحيث شملت إسهاماتهم هذه مجالات التجارة والصناعة والقانون والأدب والدفاع والنضال الوطنى والموسيقى والعلوم النووية.

التعليقات