«أمركة» سلاسل الإمداد - مدحت نافع - بوابة الشروق
الأحد 9 مايو 2021 6:49 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


«أمركة» سلاسل الإمداد

نشر فى : الإثنين 1 مارس 2021 - 7:00 م | آخر تحديث : الإثنين 1 مارس 2021 - 7:00 م

منذ أيام مضت عقد الرئيس الأمريكى «جوزيف بايدن» اجتماعا مصيريا لم يلقَ ما يستحق من اهتمام. أصدر خلاله أمرا تنفيذيا لإدارته بغرض الكشف السريع عن سلاسل الإمداد الرئيسية للمنتجات الاستراتيجية، والعمل فورا على تعميق الصناعة الأمريكية لتلك المنتجات، والتى فى مقدمتها أشباه الموصلات، المنتجات الدوائية، والمنتجات عالية التكنولوجيا.
فقد كشفت الإجراءات الاحترازية لمحاصرة وباء كورونا عن فجوات حقيقية من شأنها الإضرار بالاقتصاد والمواطن الأمريكى على نحو غير مسبوق. توقّف مصنعو السيارات فى الولايات المتحدة عن الإنتاج مجبرين، بسبب النقص الحاد فى رقاقات الحواسب التى يتم استيرادها من الخارج. العاملون فى مجال الخدمات الصحية واجهوا تحديات خطيرة نتيجة العمل بغير كمامات، انتظارا لشحنات عظيمة مستوردة من الصين!. من ناحية أخرى فإن العاملين فى مجال صناعة الأدوية شعروا بتهديد خطير إذا ما أجبروا على وقف التصدير لفترات أطول، بهدف تخزين المكونات الدوائية بشكل عام، الأمر الذى يمكن أن يتسبب فى اختناق المصانع بمخزون لا يمكن تصريفه، وتوقف الإنتاج تحت ضغط عدم القدرة على تسويقه محليا.
الاضطرابات العميقة فى حركة التجارة العالمية عطّلت غالبية نظريات ونماذج التجارة الدولية. لم يعد هكشر ــ أولين نموذجا مناسبا لتعزيز التخصص فى الإنتاج والتجارة، ووضع الأساس العملى لنظرية المزايا النسبية لريكاردو. هؤلاء الاقتصاديون وغيرهم كانوا يبحثون عن أسباب لتدفق حركة التجارة وعناصر الإنتاج بين الدول، حتى تلك الدول التى لا تمتلك مزايا مطلقة فى إنتاج سلعة بعينها، يكفى أن يكون لديها ميزة نسبية تبرر تخصصها فى إنتاج مجموعة من السلع، ويكون القرار الرشيد للدولة الأخرى (طرف عملية التجارة) هو أن تترك إنتاج تلك السلع لصالح التخصص فى إنتاج مجموعة سلعية أخرى، مع الاكتفاء باستيراد السلع التى لا تنتجها تحقيقا للنفع المشترك.
ما كان الشرح المبسط لنموذج رياضى دقيق يستهدف الإخلال به، وما كنت لأبْسِطه إليك عزيزى القارئ إلا لترى معى كيف حملنا الوباء على التخلّى عن مبدأ الرشادة، والغرق فى تحقيق الاكتفاء الذاتى والإشباع المباشر للحاجات، ولو على حساب تدمير صناعات بأكملها وتسريح ملايين العاملين على المديين المتوسط والطويل.
***
الخطوة الرئاسية الأمريكية كما وصفها الرئيس نفسه: «هى خطوة مهمة فى سبيل خلق فرص عمل جيدة، واقتصاد متماسك فى مواجهة التحديات الجيوسياسية، والجوائح، وتغير المناخ». هى إذن ليست تحركات عارضة، أو تدابير مؤقتة تزول بزوال تهديد كورونا، بل إن تعميق الصناعة و«أمركة» سلاسل الإمداد (إن جاز التعبير) صار تحوّلا استراتيجيا فى هيكل الاقتصاد الأمريكى وسياسات التصنيع، مدعوما من الحزبين الديمقراطى والجمهورى. بل إن توطين سلاسل الإمداد لا يتوقع أن يؤتى ثماره فى الأجل القصير، ولن يساعد فى تخفيف النقص الحاد الراهن فى المدخلات المهمة السابق الإشارة إليها فى صناعة السيارات مثلا، والتى هرول ــ على أثر شحّها ــ منتجو السيارات نحو حلفاء التصنيع فى تايوان، لاستجداء ما يمكن توفيره من توريدات طارئة لاستمرار عمل المصانع فى الولايات المتحدة.
الاجتماع الذى عقده الرئيس الأمريكى فى البيت الأبيض، والذى ضم نحو دستة من أعضاء الكونجرس عن الحزبين الديمقراطى والجمهورى، قد انتهى إلى توافق عام حول هدف تحقيق الاكتفاء الذاتى، وإلى تكليف زعيم الأغلبية فى مجلس الشيوخ السيناتور الديمقراطى «تشاك شومر» بالانتهاء بحلول فصل الربيع من إعداد مشروع قانون، للوقوف على نقاط الضعف فى سلاسل الإمداد الأمريكية. من جهته أكد «شومر» على أن تكنولوجيا أشباه الموصلات خلقها الأمريكيون، لكن نقصها أصبح يهدد صناعة السيارات الأمريكية اليوم. كما لفت إلى أن إجماعا قد انعقد بين الحزبين على دعم توطين عدد من الصناعات والتقنيات، ومنها شبكات الجيل الخامس للاتصالات، وأبحاث الذكاء الصناعى.
فى الاجتماع المشار إليه أمر الرئيس الأمريكى بمراجعة أداء ستة قطاعات خلال عام، وبمائة يوم من المراجعة لأربع مجموعات من المنتجات التى يعتمد فيها المصنع الأمريكى على الاستيراد وهى: أشباه الموصلات، والبطاريات ذات القدرة العالية على تخزين الطاقة، والمنتجات الدوائية ومدخلاتها الحيوية، والمعادن والمواد الأولية المهمة.
هذا التحرّك الأمريكى على الرغم من كونه ليس جديدا، وأن خطوة مماثلة قد قام بها الكونجرس الأمريكى العام الماضى بتمرير تشريع يدعم توطين صناعة أشباه الموصلات تحديدا، يظل مؤشرا على وحدة الإدراك الأمريكى لتحديات عصر ما بعد كورونا. التشريع الذى صدر منذ عام تقريبا كان ينقصه الخطوات العملية لإنفاذه، وفى مقدمتها آليات تمويل المنح البحثية والحوافز الضريبية... وتبقى خطوة «بايدن» التى نحن بصددها من الخطوات النادرة التى أقر فيها توجها استراتيجيا لسابقه «ترامب»، كما أنها تأتى خلال المائة يوم الأولى لحكم «بايدن» ما يضعها ضمن أولويات إدارته الجديدة بشكل واضح.
***
وكما سبق أن أشرنا فى المقال السابق عن «التحدى الصينى والطريق الثالث»، فإن أهم اللاعبين فى إدارة ملف العلاقات الخارجية الأمريكية اليوم، مازالوا يرون الصين تحديا عظيما للولايات المتحدة، استمرارا لنهج الإدارة الأمريكية السابقة ولو بأداء دبلوماسى أكثر انضباطا.
اعتزام الصين استثمار تريليون دولار فى اقتصادها الرقمى، يضعف من قدرة الولايات المتحدة على توطين هذا النوع من الصناعات إلا عبر تقديم حوافز كبيرة وغير مسبوقة. لا أستبعد أن تتضمّن تلك الحوافز حزمة سلبية للحد من الاستيراد، تتمثّل فى اشتراطات متعسّفة للجودة ومعايير السلامة البيئية والمعايير الحقوقية التى لا تتعارض ظاهريا مع اتفاقيات التجارة الحرة، لكنها تدور حولها وتقوّضها إلى حد بعيد، خاصة إذا ما استهدفت الصين والدول النامية بتلك الاشتراطات.
يقول «بيتر هاريل» كبير مديرى التنافسية والاقتصاديات الدولية بالبيت الأبيض، إن الولايات المتحدة تعتزم عبر هذا التحرّك الرئاسى المدعوم من الكونجرس أن تتحوّل من تبنّى سياسات رد الفعل وإطفاء الحرائق عند حدوث أزمات فى سلاسل الإمداد الرئيسية، إلى إدارة المخاطر على نحو منضبط، يمنع حدوث هذا النوع من الأزمات مستقبلا.
السيطرة شبه الكاملة للصين على سلاسل الإمداد فى كثير من المنتجات الحيوية، والمعادن، والمنتجات التكنولوجية والدوائية والطبية، دق ناقوس الخطر فى أروقة الحكم بعدد من الدول وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، والتى تحوّل معها سوق الاستهلاك الضخم من نعمة إلى نقمة، نتيجة للاعتماد المتزايد على الاستيراد من الخارج. لم تكن الصين مستهدفة بشكل صريح فى قرارات توطين سلاسل الإمداد بالولايات المتحدة، لكنها تطل برأسها فى كل مشاهد النقص الحاد للفئات السلعية المستهدفة بالتوطين. الصين هى الملبّى الأكبر للطلب العالمى على تلك الفئات السلعية بلا منافسة حقيقية.
التقلبات الحادة فى البورصات السلعية والتى باتت تهدد صناعات ثقيلة واستراتيجية فى مختلف دول العالم مثل صناعة الصلب والألومنيوم والنحاس... كلها لا يمكن تفسيرها إلا فى ضوء فهم سياسات الإنتاج والتصدير للمارد الصينى، حتى وإن تداخلت معها عوامل أخرى هنا وهناك، مثل أزمة انهيار السدود فى البرازيل، والتوترات السياسية فى الدول النفطية وخلافه.. لأن المتغير الصينى هو متغير مشترك فى جميع تلك المعادلات.
من ناحية أخرى تدرك الصين مخاطر محاصرتها تجاريا من دول الاستهلاك الكبرى، وتعتزم فى خطتها الخمسية المنتهية عام 2025 الحد من الاعتماد على التصدير فى حفز النمو، وتعظيم قاعدة الطبقة المتوسطة بها والبالغة فى الوقت الحاضر حوالى 400 مليون نسمة بالفعل، وذلك طبعا لتعزيز قدرتها الشرائية وزيادة الطلب الفعّال محليا، بما يحفز النمو مدعوما بالاستهلاك المحلى عوضا عن الاستهلاك العالمى. كما تستهدف فى خطتها العشرية التحوّل إلى إحدى دول الدخل المرتفع. وتستهدف الصين نموا كبيرا نسبته 8% عام 2021 على خلفية تحقيقها لنمو إيجابى هامشى عام 2020 جعلها الاقتصاد الوحيد الذى حقق نموا إيجابيا فى عام الرمادة بين اقتصادات الدول الكبرى.

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات