أيقونة شيماء - داليا شمس - بوابة الشروق
السبت 7 ديسمبر 2019 11:25 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

أيقونة شيماء

نشر فى : الأحد 1 فبراير 2015 - 7:55 ص | آخر تحديث : الأحد 1 فبراير 2015 - 7:55 ص

صدمة، انفعال، ذعر، إدانة، يليها بالضرورة قراءة سياسية للموقف، فى محاولة لإيجاد تفسير.. هذه على الأغلب هى ردة الفعل الطبيعية أمام صورة شيماء الصباغ وهى تستند على ركبتيها لتموت واقفة، الدماء تسيل ببطء على وجهها دون أن تلطخه، بل تكسبه شجنا غريبا لا يؤثر على بهاء الملامح.. وزميلها يضمها بين ذراعيه، وفى عينيه نظرة لا تمحى. تحيط بهما عمارات وسط البلد، كاشفة عن أحشائها، عن هذا الذى صار فيها من عهد لعهد حتى بدت كالعاهرات المتقاعدات، رأت الكثير والكثير، لكن لم يعد بمقدورها أن تفعل شيئا سوى التكتم على أسرارها.

كل ما فى هذه الصورة يؤهل شيماء لأن تتحول إلى أيقونة جديدة لثورة لم تكتمل: الملامح الرقيقة، الشباب، الوجه الذى يشع حياة وتفاؤلا حتى وهو يحتضر، الصمود والكبرياء، مشاعر الحب والمشاركة إلى النهاية. عادة عندما يتحول شخص ما لأيقونة يكون ذلك مزيجا بين التلقائية والنية المقصودة، فقد يحاول البعض أحيانا خلق أيقونات من بعض الشخصيات، دون قبول شعبى يذكر، لكن فى حالات مثل خالد سعيد ومينا دانيال والشيخ عفت وشيماء الصباغ، تضافرت كل العوامل لكى يظلوا محاطين برمزية عالية. يتآلف الناس فى البداية مع المواصفات الشكلية: وجه خالد سعيد الملائكى، ابتسامة الشيخ عفت السمحة، هيئة مينا التى تذكرهم بشى جيفارا، ثم تأتى السيرة الذاتية وحكاية كل منهم لتعطى بعدا دراميا آخر للقصة.

•••

سرعة انتشار صورة شيماء الصباغ، على مستوى العالم، كانت كبيرة، وهنا أراد الأجانب والأغراب أيضا معرفة تفاصيل موت صاحبة الوجه البشوش والشعر القصير، المحامية والأم، الناشطة التى حملت الزهور إلى قبرها.. وكان فى التفاصيل ما يعضد فكرة تحول الصورة إلى أيقونة، فالبعد الدرامى أيضا هو سر قوتها. تتسرب الصورة إلى المخيلة، ومنها إلى الذاكرة.. تثير أفكارا، تؤجج المشاعر والعاطفة، تستنهض مخاوف قديمة أو ذكريات، بعضها سعيد والبعض الآخر مرار طافح، ترمز إلى حلم تشارك فيه كل هؤلاء.. ويستمر بث الصورة مرارا وتكرارا بوسائل متعددة لأيام وأيام، فى حين لم يستغرق التقاطها سوى ثوان معدودات، بعد أن تحول كل الناس إلى مصورين يسجلون على هواتفهم الذكية حتى لحظات الاحتضار، لكى تكون وثيقة على ما حدث ويحدث كل يوم منذ 4 سنوات. لأن الثورة فعل سريع، يدلف فجأة إلى التاريخ، والصورة أيضا فعل سريع قد تتحول فورا إلى أيقونة من أيقونات التاريخ.

•••

الثلاثاء الماضى تم تنظيم وقفة احتجاجية فى باريس بعنوان «واقفا رغم طلقات الرصاص»، أعاد العرب والفرنسيون المشاركون فى التظاهرة تمثيل لحظات شيماء الصباغ الأخيرة وهى تستند إلى الأرض وزوجها يضمها.. معنى الصورة وصلهم بعمق، فأرادوا استرجاعها لإدانة كل أنواع العنف التى تهدف إلى تحجيم الحريات، وكان ذلك فى ميدان «الجمهورية» نفسه الذى شهد قبل أيام مظاهرات مناهضة للإرهاب على خلفية اغتيال رسامى شارلى إبدو.. فى الميدان ينتصب تمثال «ماريان»، رمز الجمهورية الفرنسية وقيمها (الحرية والمساواة والإخاء)، وهى فتاة شابة من البرونز، على رأسها «طاقية الثوار» رمزا للحرية، يدها اليمنى تلوح بغصن الزيتون، أما اليسرى فقد وضعتها على قاعدة كتب عليها «حقوق الإنسان»... فقط للتذكرة، فمن أبسط حقوق المواطن أن يعرف من أطلق الرصاص وترك لنا الصور والضحايا والأيقونات لكى نتذكر أو نتحسر.. وبعد مرحلة الصور وشرائط الفيديو تعم فترات من الصمت المريب أحيانا.. فى انتظار المزيد من الصور والألغاز والدلالات.

التعليقات