بلا ذاكرة

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الأحد 31 مارس 2019 - 10:35 م بتوقيت القاهرة

الخوف كل الخوف لدى البعض من فقدان الذاكرة إما بسبب العمر أو بسبب الأمراض التى برزت فى السنوات الأخيرة وانتشرت ربما لزيادة فى الوعى والمعرفة بها الآن أكثر من الوضع فى الماضى حيث كان يقال عن كل شخص بدأ يفقد ذاكرته أنه «خرف!!».
***
فقدان الذاكرة يعنى أن يتحول الإنسان إلى الفراغ، لا تاريخ ولا طفولة ولا مراهقة مليئة بالمغامرات ولا شباب مفعم بالحيوية والبحث عن الجديد ولا سن رشد فيه لحظات من تحقيق الذات أو حتى السير بذاك الاتجاه..
أن تفقد الذاكرة يعنى أن ترحل فى متاهات لا نهاية لها أو أن تحبس فى بقعة شديدة الظلمة أو حتى دائرة من العدم.. لا أصدقاء كانوا عند الطفولة يلعبون معا فى أزقة الحى أو على أطراف المدينة فى ملاعب من التراب... ولا بنات صغيرات بظفائر يجرون فى حوش البيت ربما ليس بيتهم المتواضع بل بيتا للجيران فالكل فى الماضى وفى الأحياء أهل ولا أبواب موصدة..
***
أن تفقد الذاكرة يعنى أن لا تعود تعرف تلك اللحظات الحميمة التى لاحظت فيها نظرات إعجاب عندما كان المتعارف عليه هو، نظرة
فإعجاب فصداقة فزواج... رغم أن ليس كل الحب الأول يفضى إلى الزواج بل إن كثيرا منه يبقى فى الذاكرة فى مكان ما حيث مخزن لحظات السعادة البريئة التى كانت.. فجأة تتحول إلى شخص بلا ذاكرة وهنا الحسرة التى لن تعرفها على أن تلك البقعة المضيئة التى كنت تنبش فيها كلما تلبدت غيوم الحياة، هى الأخرى لم تعد هناك وتبخرت مع كل الذكريات الاخرى..
***
بلا ذاكرة يعنى أن تنظر إلى صورة بالأسود والأبيض لطفلين ولد وبنت... الولد ربما فى الخامسة من العمر ببدلة وربطة عنق مبتسم كالطفل السعيد بأن أصبح فى ثياب رجل فجأة حتى لو لم تتكرر تلك اللحظة.. وطفلة جالسة على كرسى صغير أمامه وهى ربما فى سنتها الأولى بشعر أسود داكن وكثيف وعينين واسعتين.
وكأنهما يخزنان كثيرا من الصور.. الصورة فى استوديو كما كانت تلك فى سنوات قديمة حيث مزهرية بها ورد صناعى ولوحة فى الخلف ربما لغابة من الشجر... تبحلق فى الصورة كل يوم وهى هناك على تلك الطاولة المتصدرة للصالون، تكرر النظر وتتساءل من هذين الطفلين ولا تعرف أن تلك الطفلة أو ذاك الفتى الصغير قد يكونان أنت أو هى..
***
تحضر الوجوه الكثيرة تحلق حول مائدة غنية من الطعام تبقى أنت الوحيد الذى لا يعرف أسماء كل تلك الأطعمة ولا تدرك لذة مذاقها فيما الحاضرون يمطرون تلك السيدة المتوسطة العمر بعبارات المديح على خبرتها فى الأكل التقليدى لتلك الجزيرة.. تبقى أنت فى عالم لا يعرف عنه أحد، يتساءل بعضهم هل يعرفنا أو تعرفنا؟؟ وتأتى الإجابات ربما أحيانا أو ربما لا أبدا...
***
تدريجيا، تتسع المساحات البيضاء وتتناقص الصور والكلمات والذكريات. ربما لا يدرك أحدهم أن البقاء دون ذاكرة هو كالموت أو ربما يكون الموت أفضل وأكثر راحة فهو مجرد شبر فى شبر ويطمر عليك التراب أو حتى تنزل جثتك لتوضع مع بقايا كثير من أحبتك وأهلك ثم يغلق القبر على الظلمة وتتحول أنت إلى مجرد اسم على حجر يقال هنا يرقد فلان الفلانى.. ومع الزمن تقسو الشمس على الكتابة تلك فتبدأ الأحرف فى الاختفاء كما أنت.
***
أن تكون بلا ذاكرة يعنى أن توضع أمام جهاز التلفزيون فتشاهد ما هو فيلم ولكنك لا تعرف ما هو وتراه لا أكثر من شخوص متحركة.. لا تعرف جاك نيكلسون ممثلك المفضل عندما يظهر بعبقريته فى فيلم ترجم إلى العربية «حلق فوق عش الوقواق» أو شىء من ذلك.. لا تستطيع حتى أن تتذكر أنك فى يوم ما شاهدت هذا الفيلم مرة واثنين وثلاث ورحت تبحث عن ذاك المشفى للأمراض العقلية فى الولايات المتحدة عاصمة التحضر وحقوق الإنسان حيث تنتهك آدمية البشر كل لحظة فى ذلك المشفى.. ثم يمر بك دستن هوفمان فى فيلمه الشهير وهو شاب قبل أن يصبح من أهم من عرفتهم هوليوود.. كان «الخريج» أحد الأفلام التى أثرت فيك لشدة صدمتها.. حتى عندما يفكر المحيطون بأن عشقك للعبقرى الآخر أحمد زكى فى فيلم «الهارب» قد ينشط ما تبقى من الذاكرة، تجلس أنت غير مدرك ما يحدث وغير مقدر لكم خسرت السينما العربية برحيله..
***
بلا ذاكرة يعنى أن تلك الحياة المفعمة بذاك الكم من النور قد أسدلت الستار عليك فجأة وحولتك إلى مجرد دمية متحركة تأكل وتشرب وتقوم بكل الواجبات العضوية الأخرى ولا تعرف أى شىء عن أى شىء.. كم محزن أن يتساقط أحبتنا فى تلك البقعة التى أطلق عليها الكثير من الأسماء فيما اختصرها فى كلمتين هى مجرد بلا ذاكرة..
كاتبة بحرينية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved