بيانات للبيع!!


قضايا إعلامية

آخر تحديث: السبت 31 مارس 2018 - 10:33 م بتوقيت القاهرة

نشرت جريدة «Eurasia review» مقالا للكاتبة «سوزان فرويتشل» تتناول فيه ما حدث أخيرا بشأن تسريب بيانات ما يقرب من خمسين مليون من مستخدمى موقع التواصل الاجتماعى الأشهر «فيسبوك» لشركة البيانات البريطانية» كامبريدج أناليتيكا» واستخدام تلك البيانات فى التأثير على الانتخابات الأمريكية، وتتطرق أيضا إلى الحديث عن أن عملية تحليل البيانات وتوجيهها لخدمة أغراض معينة هو عمل تجارى ضخم يدر أرباحا هائلة، وأنه لابد أن يكون المستخدمون أكثر وعيا وإدراكا لمدى خطورة ذلك ولمدى أهمية بياناتهم الشخصية وهذه هى الطريقة الوحيدة للتعامل مع قضية استغلال البيانات الشخصية لأهداف مختلفة.

إن «المستهلكين» لا يدركون أهمية وقيمة بياناتهم الشخصية، كما أن السياسات المتبعة لا تواكب التطور الهائل فى تقنيات جمع البيانات هكذا تقول سوزان فرويتشل.

لقد تعرض موقع التواصل الاجتماعى الأشهر عالميا «فيسبوك» لهزة كبيرة خلال الأيام الأخيرة، بعد فضيحة تسريب بيانات ما يقرب من خمسين مليون مستخدم للموقع لشركة البيانات البريطانية «كامبريدج أناليتيكا» مما يؤكد بشكل واضح على القول المأثور «لا يوجد غداء مجانى». لقد استيقظ أكثر من مليارى مستخدم لفيسبوك على حقيقة أن الموقع الإلكترونى «المجانى»، الذى هو جزء من روتينهم اليومى، دفعهم الثمن غاليا ألا وهو بياناتهم الشخصية المهمة للغاية. ومن ثم فإن الطريقة الوحيدة لحماية بيانات الأفراد هى أن يكونوا حذرين ومدركين لمدى خطورة ذلك.

تشير التقارير الإخبارية إلى أن «كامبريدج أناليتيكا» حصلت على البيانات الشخصية الخاصة بملايين من مستخدمى الفيسبوك ــ ثم استغلت تلك البيانات لأغراض سياسية فى العديد من البلدان مما أدى إلى حدوث هزة ضخمة بين مستخدمى فيسبوك وأثر ذلك أيضا بشكل كبير على أرباح شركة فيسبوك والتى تراجعت أسهمها بنسبة 14%، حيث فقدت الشركة 58 مليار دولار من قيمتها السوقية فى أسواق المال الأمريكية. ومع ذلك، نجد أن المستخدمين يوافقون على تبادل البيانات فى كثير من الأحيان بدون أن يمنحوا أنفسهم فرصة لقراءة بنود اتفاقيات شروط الخدمة. ومن الجدير بالذكر أن العديد من الشركات تحقق أرباحا هائلة من جراء معرفة نطاق ومدة المكالمات الهاتفية للمستخدمين، وتفاصيل الشراء من خلال بطاقات الائتمان وبطاقات الخصم للمتاجر وطلبات التأمين الخاصة بالمشكلات الصحية والألعاب التى تقيس مهارات معينة.

***

بطبيعة الحال، ليس موقع «فيسبوك» وحده هو المتورط فى ذلك. فتحليل البيانات الكبيرة هو عمل تجارى «بيزنس» ضخم جدا. حيث تعمل الشركات على تجميع البيانات وتحليلها واستثمارها لتحسين الخدمات التى تقدمها وللحد من عمليات الاحتيال وجذب عملاء جدد. كذلك شركة «كامبريدج أناليتيكا» ليست وحدها أيضا. فنجد أنه على سبيل المثال فى الصين، قامت بورصة شنغهاى للبيانات ــ التى أنشئت فى عام 2017 ــ والتى تعمل كمنصة لتداول جميع أنواع معلومات المستهلكين التى تم جمعها من الاتصالات والبطاقات الائتمانية بهدف جذب المزيد من شركات التكنولوجيا إلى المدينة. وتتوقع البورصة أن تستحوذ على ثلث حجم تداول البيانات فى الصين بحلول عام 2020. ومن المتوقع أن تتجاوز الإيرادات العالمية لعمليات تحليل البيانات 200 مليار دولار فى عام 2020، وفقا «لشركة البيانات الدولية» التى تشير إلى أن الاهتمام الشديد بعملية تبادل البيانات قد يؤدى إلى صراعات مصالح بين الأطراف المختلفة.

تضيف الكاتبة أن عملية جمع البيانات لتحديد المجموعات المستهدفة ليس جديدا. فنجد أنه قبل عقود مضت، كانت شركات التسويق عبر الهاتف تقوم بذلك. أيضا نجد أن أمناء المكتبات أدركوا فى وقت مبكر «مخاطر الخصوصية المحتملة» وأقروا سياسات معتمدة لحماية السرية. فقبل أن تنتشر أجهزة الكمبيوتر على نطاق واسع، توقفت المكتبات عن استخدام البطاقات التى تدرج أسماء الأفراد الذين سبق لهم استعارة الكتب. وعلى نحو مماثل، لطالما كانت عملية تقديم طلبات الالتحاق بالجامعات عبارة عن عملية لجمع البيانات لتحديد المتقدمين الذين من المرجح أن يلتحقوا بالجامعة أو أن يتخرجوا منها.

لا يعفى المرضى ولا المقترضين ولا الطلاب الذين يملئون استمارات التقديم لمطالبهم المختلفة ورقيا وليس إلكترونيا من أن يصبحوا مستهدفين. حيث يتم مسح نماذج الأوراق بسرعة فى ملفات الكمبيوتر. وتوفر الأحداث المجتمعية الكبرى والمعارض فرصا لجمع البيانات. فيعقد المئات من البائعين الذين يحضرون العروض المنزلية الكبيرة مسابقات لجمع قائمة بجهات الاتصالات المحتملة، ومجموعات العمل تجمع السيرة الذاتية لدراسة سوق العمل المتطورة وجمع معلومات عن الموظفين الجدد.

***

لقد سهلت أجهزة الكمبيوتر عملية جمع البيانات. أى نوع من البيانات يمكن تعبئتها وتسويقها. توفر المدن بالفعل بيانات عن العقارات والضرائب والصحة العامة كخدمة عامة، ويشير المنتدى الاقتصادى العالمى إلى أن المجتمعات يمكنها فعل المزيد لتوفير البيانات على نطاق واسع لتتضمن كل شىء. كما تقدم الجمعيات خدمات ومعلومات حول كيفية البحث وتعبئة البيانات. وبهدف تحسين الكفاءة والخدمة تعتمد المرافق فى الهند وأوروبا والولايات المتحدة على العدادات الذكية لرصد استخدامات الطاقة والمياه والتنبؤ بها. ومن المهم القول إن اللجان والسياسات الخاصة بمراقبة استخدام البيانات وإدارة المعلومات حتى الآن لا تواكب الأعداد المتزايدة من منظمات جمع البيانات وتداولها.

من الجدير بالذكر أن القوانين فى الولايات المتحدة وأوروبا تحمى المعلومات المتعلقة بصحة الفرد وتعليمه ومعلوماته المالية.. إلخ ولكنها لا تحظر تجميع البيانات كما هو موضح فى سياسات الخصوصية وشروط الاتفاق واتفاقيات الترخيص. على سبيل المثال، توجد « استمارة» إلكترونية مطلوبة للتقديم إلى العديد من الكليات الأمريكية نجد فى تفاصيل سياسة الخصوصية الخاصة بها: يمكن للجهات الخارجية والباحثين المتعاقدين الوصول إلى التطبيق والمعلومات ذات الصلة التى يمكن تعبئتها بعد ذلك على أنها «بيانات ديموجرافية غير شخصية وعامة، تم الحصول عليها من مصادر مختلفة».

وعلى صعيد آخر نجد أن «الصحة» هى قضية حساسة بشكل خاص، وقوانين الخصوصية حتى إجراءات الحماية الجديدة الصارمة للبيانات التى سوف يفرضها الاتحاد الأوروبى فى مايو تتضمن استثناءات. نجد أن قانون الاتحاد الأوروبى ينص على أن يتم جمع بيانات المرضى لغرض محدد صريح ومشروع، ولكن يسمح لنفس البيانات «بإعادة استخدامها للبحث» بغرض المصلحة العامة. ويحدد القانون نفسه مدة تخزين بيانات المرضى «باستثناء أغراض الأرشفة والبحث العلمى». كما أنه ليست هناك حاجة إلى موافقة صريحة من المريض لاستخدام بياناته طالما أنه يتم حجب هويته بما يوفر له الحماية. وبالطبع، كما رأينا فى حالة «كامبريدج أناليتيكا» يمكن استخدام البيانات التى تم جمعها ظاهريا بغرض البحث «الأكاديمى» لخدمة أغراض أخرى.

ومن الجدير بالذكر أن مشكلة فيسبوك وكامبريدج أناليتيكا بدأت بعد تصميم «إلكسندر كوجان»، تطبيق يحمل اسم «this is your digital life» التى اعتمدت فكرته على دفع الأموال للمستخدمين، مقابل حل بعض الاختبارات النفسية والشخصية، من خلال حساباتهم الخاصة على موقع «فيسبوك»، ويقوم مطورو التطبيقات بعمل بمسابقات ترفيهية واستطلاعات وألعاب تجعل المستخدمين يسلمون المزيد من البيانات. وبدأت سرقة بيانات ملفات الفيس بوك باختبار شخصية صغير، حيث شارك فيه ما يقرب من 300 ألف مستخدم ثم انجرف ملايين الأصدقاء بعد ذلك.

يقوم مطورو البرامج مثل Elitech فى الهند بعمل تطبيقات أو ألعاب مصممة خصيصا لتقييم الجمهور المستهدف وتحديد أولويات المستخدمين. ويمكن للمطورين استخدام الألعاب لتقييم أداء المستخدم وشخصيته عن طريق قيامه ببعض المهام البسيطة. ويشجع Facebook المطورين فى جميع أنحاء العالم بهدف زيادة أعداد المستخدمين لفيسبوك.

***

تتصدر آسيا العالم بنسبة تقترب من 30 فى المائة من أصل 20 مليون مطور للتطبيقات، فى حين تمتلك كل من أوروبا وأمريكا الشمالية نحو 30 فى المائة. وذكرت صحيفة Economic Times أن الهند تتصدر العالم فى أعداد مستخدمى Facebook ولديها ثانى أكبر قاعدة لمطورى تطبيقات فيسبوك. ومن الجدير بالذكر أن اللوائح والقوانين الجديدة التى تهدف إلى حماية الخصوصية تثير قلق المطورين وشركات وسائل التواصل الاجتماعى التى سوف تعرقل هذه الصناعة المربحة للغاية. من المهم الإشارة إلى أن التطبيقات والألعاب المتوفرة على متجر iTunes التابع لشركة Apple قفزت من بضع مئات فى عام 2009 إلى أكثر من ثلاثة ملايين فى عام 2017، مع تنزيلات بالمليارات.

وتستغل هذه التطبيقات رغبات الأفراد حول العالم فى فهم أنفسهم أو مقارنة كيفية أدائهم مع الآخرين وكذلك الرغبة فى الترفيه. لتجميع أكبر قدر من البيانات تستخدم لخدمة أغراض معينة.

وتختتم الكاتبة بالقول إن هذه البيانات غير المنظمة قد تبدو بأنها ليس لها قيمة، ولكن على العكس من ذلك فإن هذه البيانات مهمة جدا وتستخدم لخدمة أغراض مختلفة وعمليات تحليل البيانات الضخمة تؤثر بشكل كبير جدا على المجتمعات، ويقع على عاتق المستخدمين مسئولية قراءة سياسات الخصوصية بعناية فائقة، حتى لا يتم استغلالهم. وهذا هو الدرس الذى نخرج به من كارثة كامبريدج أناليتيكا وفيس بوك.

إعداد: ريهام عبدالرحمن العباسى
النص الأصلى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved