النفاق الأوروبى فى سد النهضة

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: السبت 29 مايو 2021 - 7:30 م بتوقيت القاهرة

لا أعرف السر حتى الآن الذى يمنع غالبية البلدان الاروربية من تأييد الحقوق المصرية العادلة فى قضية مياه النيل عموما وسد النهضة خصوصا، علما أنه لو تم تطبيق ما تريد إثيوبيا أن تفرضه على مصر والسودان، واعتباره قاعدة جديدة فى تقاسم مياه الأنهار العابرة للدول، فإن أكثر المتضررين من القاعدة الإثيوبية الجديدة هم العديد من الدول الأوروبية التى تواجه نفس الحالة.
هناك العديد من الأنهار العابرة لأكثر من دولة أوروبية، لكن الفارق المهم أن الدول الأوروبية استقرت على قواعد ملزمة لإدارة الأنهار المشتركة.
فى هذه البلدان لا توجد دولة ينبع منها النهر تقول إنه حكر عليها، وإنه بحيرة داخلية، بل هو نهر دولى عابر للحدود يتقاسم مياهه كل البلدان التى ينبع منها أو يمر عبرها أو يصب فيها.
ولا أعرف السر الذى جعلنا فى مصر لا نستطيع أن نقنع هذه البلدان الأوروبية المؤثرة بعدالة موقفنا وقضيتنا حتى الآن، وأن ما يهمنا يفترض أنه يهمهم، ولماذا لم نلح عليهم ونقول لهم عليكم بالضغط على إثيوبيا لأنها تريد اختراع قانون دولى جديد، إذا تم اعتماده فسوف يقلب القواعد الدولية المستقرة فى إدارة الأنهار المشتركة.
قبل أيام قرأت على أحد المواقع كلاما مهما لناظم ميشال عبدالله، يقول:
«إلى أولئك الذين قيل لهم إن النيل الأزرق ملك لإثيوبيا، وبالتالى يحق لحكومتهم السيطرة عليه كما تراه مناسبًا»، من فضلك:
(خذ دقيقة) أو (توقف) و(تخيل) أو (فكر) مما يلى:
1. ماذا لو
أعلنت سويسرا صباح الغد أنها تبنى سدا هائلا يمنع مياه نهر الراين من الوصول إلى ألمانيا وبلجيكا والنمسا وفرنسا وهولندا؟!
هل تتخيل مدينة بون الألمانية بدون الراين؟؟!
2. ماذا لو
أعلنت ألمانيا غدا بناء سد ضخم، وفى هذه العملية، هل ستمنع مياه نهر الدانوب من التدفق إلى النمسا وسلوفاكيا والمجر وصربيا وبلغاريا ورومانيا ومولدوفا؟!
تخيل مدن فيينا وبودابست وبلغراد حيث يمر نهر الدانوب بصعوبة.
3. ماذا لو
بدأت روسيا ببناء سد عملاق، ومنعت مياه نهر الدنيبر من الوصول إلى بيلاروسيا وأوكرانيا؟!
4. ماذا لو
كندا منعت سانت لورانس من الوصول إلى ولاية نيويورك؟!
وأيضا توقف نهر كولومبيا عن التدفق إلى ولاية واشنطن؟!
5. ماذا لو
شيدت بيرو عدة سدود تمنع نهر الأمازون من التدفق إلى البرازيل؟!
6. وأخيرا
وماذا سيكون رد فعل روسيا إذا أوقفت الصين تدفق نهر (Irc hi) فحولت السهوب الروسية الخضراء إلى صحارٍ؟!
الأنهار الدولية التى تتجاوز الحدود الوطنية هى أوقاف إلهية، تمنح هبة الحياة للعديد من البلدان، ولملايين الأشخاص.
مياه النهر ليست خدمة يمكن لدولة ما أن تمنحها لأخرى، ولا يمكنها أن تمارس سلطة مطلقة لتقرير مصير دولة ذات سيادة.
منذ عهد الفراعنة، تم الاعتراف بنهر النيل على أنه نبض قلب مصر، ومصدر الحياة... وهكذا سيبقى.
انتهى كلام الأستاذ ناظم ميشال، والمعنى الأساسى الذى نخرج منه فى هذه الحالة هو أن غالبية البلدان الأوروبية تمارس النفاق السياسى على أعلى درجاته، وهى تقول فى العلن، إنها تدعم الوصول إلى حلول سياسية تضمن حقوق البلدان الثلاثة مصر وإثيوبيا والسودان، لكنها فى الواقع تبيع لنا كلاما معسولا وتدغدغ مشاعرنا، لكنها تتغاضى عن الضغط على إثيوبيا كى توقف تعنتها، بل وأحيانا يتواطأ بعضها مع أديس أبابا للإضرار بحقوقنا التاريخية فى مياه النيل من أجل تركيعنا وعدم تقدمنا.. فماذا نحن فاعلون خاصة أن ما يُسمى «المجتمع الدولى والقوى الكبرى» كان موقفها شديد السلبية وهو ما يحتاج إلى نقاش موسع إن شاء الله؟!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved