الحكام العرب.. واغتصاب فلسطين

أشرف البربرى
أشرف البربرى

آخر تحديث: الأربعاء 29 يناير 2020 - 10:20 م بتوقيت القاهرة

قبل سنوات كان الشارع العربى يأخذ على حكامه الاكتفاء ببيانات الشجب والتنديد بالانحياز الأمريكى لإسرائيل الذى لم يكن قد وصل ولا حتى اقترب من انحياز دونالد ترامب للكيان الصهيونى وانتهاكه لكل ثوابت القضية العربية بدءا من الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة للكيان المغتصب وصولا إلى اعترافه بسيادته على هضبة الجولان السورية وغور الأردن الفلسطينى.
مرت السنون وانتقل الحكام العرب من مرحلة المتاجرة بالقضية الفلسطينية لتبرير بقائهم فى السلطة مدى الحياة والتحلل من أية التزامات تجاه شعوبهم تحت شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» الذى قيل مرة بالحق ومرات بالباطل، إلى المساومة على القضية مع الدولة الغاصبة «إسرائيل» والدولة الراعية للاغتصاب «أمريكا»، لتحقيق نفس الهدف وهو البقاء فى السلطة إلى الأبد.
ولم يكن أشد الناس تشاؤما يتوقع رد فعل الحكام العرب على الجريمة الأمريكية المسماة خطة ترامب او "صفقة القرن" التى أعطت لإسرائيل كل شىء على حساب فلسطين، فتخرج البيانات العربية تقول «تقدر المملكة (السعودية) الجهود التى تقوم بها إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لتطوير خطة شاملة للسلام بين الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى،... و«الإمارات العربية المتحدة تقدر الجهود الأمريكية المستمرة للتوصل إلى اتفاق سلام فلسطينى إسرائيلى»... و«رحبت دولة قطر بجميع الجهود الرامية إلى تحقيق السلام العادل والمستدام فى الأراضى الفلسطينية المحتلة». وايضا «القاهرة تقدر الجهود المبذولة من قبل الإدارة الأمريكية من أجل التوصل إلى سلام شامل وعادل للقضية الفلسطينية».وان كان البيان المصري قد اضاف عبارة " أهمية التوصُل لتسوية القضية الفلسطينية بما يعيد للشعب الفلسطيني كامل حقوقه المشروعة من خلال إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفقاً للشرعية الدولية ومقرراتها".
فهل هذا التشابه الذى يقترب من حد التطابق بين بيانات العواصم المختلفة، يعنى أنه تمت كتابتها فى مكان واحد وتوزيعها لكى تضع كل دولة توقيعها على البيان وتصدره؟ وكيف يتوافق موقف قطر مع مواقف مصر والإمارات والسعودية على الترحيب بالجريمة الأمريكية وهى الدول التى لا تتفق على شىء فى السنين الأخيرة؟
ومقابل هذا الترحيب العربى بما سمته الحكومات العربية «الجهود الأمريكية» قال بول بيلار ضابط المخابرات الأمريكية السابق والباحث غير المقيم فى جامعة جورج تاون الأمريكية فى تصريح لوكالة بلومبرج للأنباء «هذه ليست خطة للسلام، ولكنها امتداد لسياسة إدارة ترامب المنحازة تماما إلى حكومة نتنياهو».
وخرجت حركة «السلام الآن» الإسرائيلية لتقول «إن السماح لإسرائيل بموجب الخطة بضم المستوطنات فى مقابل إقامة دولة فلسطينية ممزقة أمر غير قابل للاستمرار ولن يحقق الاستقرار» ووصفت الخطة بأنها «منفصلة عن الواقع».
وأعلن تكتلا الشعب والخضر فى البرلمان الأوروبى رفضهما لخطة ترامب، فقال ميشائيل جالر، المتحدث باسم كتلة حزب الشعب الأوروبى لشئون السياسة الخارجية، «فالاعتراف من جانب واحد بالقدس كاملة عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس والدعم السياسى لاستمرار وجود المستوطنات الإسرائيلية فى الضفة الغربية والسيطرة الإسرائيلية على غور الأردن، كل هذه الأمور لن تفضى إلى التوصل إلى حل تفاوضى».
أما راينهارد بوتيكوفر، المتحدث باسم كتلة الخضر لشئون السياسة الخارجية فقال إن «ترامب يستغل ضعف الجانب الفلسطينى ومن ثم يجب التشكيك فى أنه يمهد الطريق أمام السلام».
وقالت منظمة العفو الدولية الموصوفة لدى دوائر الإعلام الموالية للسلطة فى العواصم العربية بأنها صنيعة إسرائيلية لأنها تنتقد انتهاكات حقوق الإنسان العربى إن «حزمة المقترحات المحزنة التى قدمتها إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وتنتهك القانون الدولى وتجرد الفلسطينيين من حقوقهم هى كتيب إرشادى لمزيد من المعاناة والانتهاكات فى إسرائيل والأراضى الفلسطينية المحتلة».
القضية الفلسطينية جرح الشعوب العربية النازف ومطية الحكام الذين تاجروا بها وساوموا عليها لتحقيق هدفهم الاستراتيجى وهو البقاء فى السلطة مهما تغيرت أو تعاقبت نظم الحكم. هذه هى الحقيقة التى تؤكدها تطورات القضية منذ تدشينها رسميا بالوعد المشئوم لوزير شئون المستعمرات البريطانى بلفور عام 1917.
إذن ليطرح ترامب ما يشاء من خطط وليؤيده الحكام العرب كما يشاءون، لكن القضية الفلسطينية ستظل قضية الشعوب العربية وفى القلب منها الشعب الفلسطينى القادر على المقاومة والتشبث بأرضه، التى لا أرض له سواها حتى يستعيد كل حقوقه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved