الرسائل الأخيرة

خالد سيد أحمد
خالد سيد أحمد

آخر تحديث: الجمعة 28 مايو 2021 - 9:25 م بتوقيت القاهرة

الرسائل السياسية والدبلوماسية والعسكرية المصرية، التى تمت خلال الأيام الماضية بخصوص سد النهضة الإثيوبى، تمثل محاولة أخيرة من جانب القاهرة للوصول إلى حل سلمى للأزمة مع أديس أبابا، بدلا من اللجوء إلى خيارات القوة التى لا مفر منها للحفاظ على حقوق مصر التاريخية فى مياه النيل.
الأسبوع الماضى كان متخما بالأحداث والرسائل التى لا تخطئها عين، بشأن بحث القاهرة عن اتفاق قانونى ملزم يحافظ على حقوقها فى النهر، ويمنع انفجار أزمة قد تدخل المنطقة كلها فى حالة من عدم الاستقرار والفوضى خلال السنوات المقبلة.
من أهم الرسائل التى حدثت خلال الأسبوع الماضى، كان الاتصال الهاتفى بين الرئيس السيسى ونظيره الأمريكى جو بايدن، حيث أكد السيسى على «تمسك مصر بحقوقها المائية من خلال التوصل إلى اتفاق قانونى منصف وملزم يضمن قواعد واضحة لعملية ملء وتشغيل السد»، فيما أوضح بايدن تفهم واشنطن الكامل للأهمية القصوى لتلك القضية للشعب المصرى، مشيرا إلى عزمه بذل الجهود من أجل ضمان الأمن المائى لمصر. ووفقا للمتحدث الرئاسى السفير بسام راضى فقد «تم التوافق بين الطرفين بشأن تعزيز الجهود الدبلوماسية خلال الفترة المقبلة من أجل التوصل إلى اتفاق يحفظ الحقوق المائية والتنموية لجميع الأطراف».
الرسالة الثانية والأكثر أهمية، كانت خلال زيارة الرئيس إلى جيبوتى، والتى تعد الأولى لرئيس مصرى على الإطلاق لهذه الدولة التى لديها حدود مشتركة مع إثيوبيا، حيث أكد السيسى أن سد النهضة يمس المصالح الحيوية للمنطقة برمتها، مشيرا إلى حتمية التوصل لاتفاق عادل ومتوازن حول الملء والتشغيل فى أقرب فرصة ممكنة. كما شدد على رفض مصر لأى مسعى لفرض الأمر الواقع من خلال إجراءات أحادية لا تراعى مصالح وحقوق دولتى المصب.
الرسالة الثالثة كانت عسكرية، وتتعلق بوصول عناصر من القوات المسلحة المصرية إلى دولة السودان للمشاركة فى التدريب المشترك «حماة النيل» والذى تشارك فيه عناصر من القوات البرية والبحرية والجوية لكلا الجانبين، بهدف تأكيد مستوى الجاهزية والاستعداد للقوات المشتركة وزيادة الخبرات التدريبية للقوات المسلحة لكلا البلدين، وفقا للبيان الذى نشر على صفحة المتحدث العسكرى للقوات المسلحة المصرية.
ربما يرى البعض أن هذه الرسائل قد تأخرت كثيرا، وكان من المفترض أن تكون فى وقت مبكر، وتحديدا قبل أن يتحول السد الإثيوبى إلى حقيقة دامغة على أرض الواقع، ومهدد حقيقى لوجود مصر التى ترتبط الحياة فيها ارتباطا وثيقا بجريان هذا النهر منذ آلاف السنين، لكن هذا التصور وإن كان يتمتع بقدر كبير من الوجاهة، إلا أنه يغفل حقيقة مهمة وهى أن الأوضاع فى مصر لم تكن تسمح على الإطلاق بتوجيه مثل هذه الرسائل القوية، لاسيما وأن البلاد كانت خارجة للتو من ثورتين كبيرتين بكل ما تضمنتهما من أحداث جسام أثرت بشكل كبير على استقرارها الداخلى.
على أية حال، فإن القراءة المتعمقة لهذه الرسائل السياسية والدبلوماسية والعسكرية التى خرجت من القاهرة، تؤشر إلى أن الدولة المصرية عازمة على استخدام جميع الأوراق والعلاقات والإمكانات التى بين يديها، من أجل خلق حالة ضغط متواصل على أديس أبابا، لمنعها من اتخاذ إجراءات أحادية قد تؤدى إلى تفجير الأوضاع فى المنطقة، مثل تنفيذ عملية الملء الثانى لسد النهضة حتى من دون اتفاق مع دولتى المصب، ودفعها إلى التجاوب مع الدعوات المصرية للوصول لاتفاق قانونى ملزم بشأن ملء وتشغيل السد.
وحال لم تستجب أديس أبابا لحل الأزمة سلميا، فإنه لن يتبقى أمام القاهرة والخرطوم، سوى خيار القوة للحفاظ على حقوقهما التاريخية فى مياه النيل، وهذا ما ستكشف عنه التطورات قريبا جدا، وقبل تنفيذ الملء الثانى للسد المقرر فى شهرى يوليو وأغسطس المقبلين، حتى لا يكتسب السد حصانة تمنع دولتى المصب من الاقتراب منه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved