يا حلو يا أسمر

داليا شمس
داليا شمس

آخر تحديث: السبت 4 يوليه 2020 - 12:24 م بتوقيت القاهرة

مر وقت طويل، لكن لاتزال هناك طفلة تلهو على اللسان الصخري الذي يلتقي عنده النيل والبحر الأبيض المتوسط بمدينة رأس البر.. المكان الفريد الذي أسماه المقريزي قديما "مرج البحرين"، فالنهر دوما يسير بإيقاع منتظم ومزاج رائق حتى يبلغ المصب، وصوت البائع يصدح في المكان: "لِب تَمام، لِب سُخن". وجهه الأسمر المشرب بحمرة داكنة يشبه لون النهر الذي يحمل اسما يونانيا قديما.
مر وقت طويل منذ أن كان مشايخ الطرق الصوفية وأتباعهم بدمياط يسيرون نحو الشمال مع النيل للاحتفال بمولد الشيخ الجربي جنوب رأس البر، المياه في هذه المنطقة التي تعرف بالجربي حتى الآن مزيج عجيب من النيل والبحر، من الحلو والمالح. الأقدام تغوص في الطمي إذا طالته لأن القاع يبدو بعيد المنال بعد قطع مسافة قصيرة.
مر وقت طويل أيضا على قيام مصلحة الموانىء بإنشاء رصيف من الأسمنت المسلح داخل المياه عام 1938 ليصبح اللسان متنزها لرواد مدينة رأس البر التي تطورت كمصيف منذ نهاية القرن التاسع عشر، مع قدوم المتصوفة والتجار والسفن الشراعية إلى شواطئها وتشييد الناس لأكواخ من حصر البردي لقضاء النهار في البداية. خلال القرن نفسه بدأنا نعرف أكثر عن جغرافية النهر، مع رحلات المستكشفين والملاحين الأجانب، فيما يسمى بعصر الاكتشافات الكبرى... سنوات الاستعمار التي شهدت ترسيم الحدود وتوقيع الإتفاقات بين الكبار، وتلك التي ظهر فيها مناضلون وشعراء قاوموا الاستعمار الغربي بالكلمة وبحركات البعث والإحياء وغيرها مثل حافظ إبراهيم الذي وُلد على سفينة كانت راسية قرب ضفاف نهر النيل في مركز ديروط عام 1872، وكان أول ما ترى عيناه هو النهر، لذا لقب بشاعر النيل وارتبط مصيره به وظل مكانه المفضل حتى وفاته.
***
حيوات كاملة رافقها بحر النيل الواسع. يمر الزمان ولا تذبل حكاياته. "الحليوة الأسمر" الذي تغنى به عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم، ناجته الست في قصائدها وامتدحت صحبته في "شمس الأصيل" حينما تغمر الشمس النخيل "في صفحتك يا جميل" وتغزل فيه حليم قائلا: "يا تبر سايل بين شطين يا حلو يا أسمر، لولا سمارك جوا العين ما كان تنور"، فهو جزء أصيل من الوجدان والحياة المصرية، حلو ورائق البال مثل صوت المغني الذي يتحدث عن محبوبته التي سافرت بالباخرة أو ذلك البحار الذي تتماهى موسيقاه مع حركة المياه واهتزاز المركب وتمايلها مع الريح ودَفعة المجداف والمِدرة.
رغم أنه من الأنهار القليلة في العالم ذات الإيقاع المنتظم إلا أن المصريين كانوا دوما يتابعون ارتفاع النيل باهتمام كبير، وفي فترات كانوا يعلنون عن منسوبه بشكل يومي خلال موسم الفيضان بواسطة "منادي النيل"، فإذا وصل ارتفاع منسوبه إلى 16 ذراعا كان هذا نذيرا بقطع أو جبر الجسور والسماح لمياه النيل بالدخول إلى أحواض مصر الزراعية وإغراقها، وكان احتفال جبر الخليج هو عيد وفاء النيل. وحتى وقت ليس ببعيد كان المصريون يحتفلون ببدء ارتفاع النيل في ليلة السابع عشر من شهر يونيو، فيما يعرف باسم "ليلة النقطة"، لأنهم يعتقدون أن نقطة الماء لها فعل الخميرة تسقط من السماء فتسبب ارتفاعه في تلك الليلة، مثلما كانت تغذي دموع إيزيس النهر قديما.
***
مر وقت طويل على حدوتة المؤرخ الذي روى كيف انخفض منسوب النيل في العام 1878، ما أسفر عن عجز شديد في المحصول وهبوط سوق القطن، وبما أن المصائب لا تأتي فرادى فقد تفشى سنتها وباء الطاعون البقري، بل وحدثت مجاعة في صيف ذلك العام راح ضحيتها أكثر من عشرة آلاف شخص، ولم تستطع مصر الوفاء بديونها.
شهد النيل على أحوال العباد منذ أن اعتقد الفراعنة أن وجود النهر في أراضيهم جزء لا يتجزأ من النظام الكوني، فكما تشرق الشمس وتغرب يجري النيل ليعيشوا على ضفافه ويزرعوا ويحصدوا ويسافروا شمالا وجنوبا، إذ يقول البعض إن النيل بدأ في مصر خانقا عظيما منذ أكثر من ستة ملايين سنة ولم يتم اتصاله بأفريقيا الإستوائية إلا منذ 800 ألف سنة فقط بعد الفترة المطيرة التي أعقبت تراجع ثلوج العصر الجليدي الأخير منذ حوالي عشرة آلاف سنة، كما ذكر العالم والجيولوجي الكبير رشدي سعيد في كتابه "نهر النيل".
احتضن هذا الأخير قراهم والبيوت التي تخرج أحشاءها والمراكب التي تقف على ضفافه متأهبة. مر به غزاة ومنهزمون وتجار وجيوش وبحارة جلسوا على الشاطئ في انتظار رزق لا يأتي بعد الحروب. تم استخدامه كثيرا كورقة ضغط سياسية في عصور مختلفة من ضمنها فترة الحرب الباردة، عن طريق التلويح ببناء السدود على النهر، لكن لم يتحول النيل إلى نهر صعب المراس مثلما حذر الدكتور رشدي سعيد حين تناول تأثير إنشاء السدود على النيل الأزرق، موضحا أنها كفيلة بتغيير نظام النهر وزيادة قدرته على النحر وجعله "نهرا صعب المراس" تحتاج حماية جوانبه والأراضي التي تحفه والمنشآت المقامة عليه إلى الكثير من الجهد والمال. لم نتخيل قط أن النيل الرائق قد يتحول إلى نهر صعب المراس، فقد كان دوما بالنسبة لنا نهرا من الجنة حبانا الله به، وكلما مر وقت طويل نكتشف كم نحبه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved