الحب الحقيقى والمغشوش

فهمي هويدي
فهمي هويدي

آخر تحديث: الأربعاء 27 يناير 2010 - 9:15 ص بتوقيت القاهرة

 هل لا يُصرّف التعبير عن حب مصر أو يُختبر إلا فى المباريات التى يشارك فيها المنتخب القومى لكرة القدم؟ وهل لا يُمارس ذلك الحب إلا من خلال التهليل والتشجيع فقط؟ وهل ينتهى دور رجال الأعمال المشاركين فى مهرجانات الحب عند توزيع الملصقات والإعلانات التى تُظهر العلم المصرى ممهورا باسم شركاتهم ومزينا بنماذج للسلع التى ينتجونها؟

هذه الأسئلة وأمثالها تراءت لى حين وجدت أن جبهة محبى مصر التزمت صمتا مدهشا إزاء ما فعلته كارثة السيول الشرسة التى ضربت آلاف المصريين فى سيناء وأسوان فشردتهم، بعد أن جرفت بيوتهم وأتت على كل ما فيها. وهو ذات الصمت الذى اعتصموا به حين انهارت الصخور فى منطقة «الدويقة» التى تقع فى نطاق محافظة القاهرة.

هو حب مجانى ذلك الذى يتبدى فى مباريات كرة القدم، حيث لا يُطالب «المغرم» فى هذه الحالة بأكثر من التصفيق والصياح والتهليل أو غير ذلك مما يدخل فى نطاق الأقوال، فى حين أن ذلك الحب يغدو مكلفا فى حالة التعامل مع كارثة مثل السيول والانهيارات، إذ لا يكفى فيه التشجيع بالأقوال والتلويح بالأعلام، ولكنه يقتضى أفعالا تُمارس على الأرض، ومشاركة بالمال والجهد، وغير ذلك من التكاليف التى لا تظهر فى الصور ويستعصى استخدامها فى الإعلانات التجارية وعملية تسويق «البضاعة».

حين ضرب الزلزال هاييتى تحركت الولايات المتحدة بسرعة، واستدعى الرئيس أوباما اثنين من الرؤساء السابقين هما جورج بوش وبيل كلينتون. لكى يقودا حملة جمع التبرعات لإغاثة المنكوبين، ثم تسابق الفنانون فى التبرع بأموالهم الخاصة وفى إقامة الحفلات التى خصص إيرادها للمنكوبين (حفلة واحدة جمعت 58 مليون دولار). وإذا استثنينا مسألة الرؤساء السابقين هذه للأسباب التى تعرفها، فستجد أنه ليست لدينا مشكلة فيمن يتحرك للإغاثة. ولكن مشكلتنا تكمن فى غياب إرادة إشراك المجتمع واستنهاض همَّته للبذل والعطاء، وتحويل فئاته من متفرجين إلى مشاركين.

إننى أعتبر أن الذين يهتفون هذه الأيام بحب مصر ويهللون لاسمها، ليسوا أكثر الناس إخلاصا للوطن. وأزعم فى هذا الصدد أن الحب الحقيقى للوطن كالإيمان، أصدق تعريف له أنه ما وقر فى القلب وصدقه العمل. بمعنى أنه ما يستقر فى الضمير ويترجمه السلوك والفعل. من هذه الزاوية فإننى أزعم أن كل من يؤدى واجبه بنزاهة وشرف فى أى مجال من المجالات، أصدق فى تعبيره عن حب الوطن من أولئك الذين يهتفون طوال الوقت باسمه على شاشات التليفزيون أو يتاجرون به وهم يسوقون بضاعتهم.

إن الاختبار الحقيقى لحب الوطن لا يتحقق حين يكون المرء منتفعا منه، ولكنه يُقاس بمقدار ما يبذله المرء لأجله، دونما انتظار لمردود ذلك البذل. ولى تجربة شخصية فى هذا الصدد تستحق أن تروى. ذلك أننى حين اضطررت إلى مغادرة مصر والانضمام إلى أسرة مجلة «العربى» الكويتية فى عهد الرئيس السادات، كنت أحصل على إجازة بغير راتب سنويا من مؤسسة الأهرام. وحين جئت ذات مرة لكى أجدد الإجازة تردد رئيس مجلس الإدارة آنذاك. وقبل أن يوافق على إعطائى درسا فى الوفاء للوطن الذى هو أولى بأبنائه الأكفاء (هكذا قال). وشاءت المقادير أن يترك صاحبنا منصبه بعد ذلك وأن ألتقيه فى لندن. وحين ألقيت عليه السؤال التقليدى عن أخبار مصر التى كان قادما لتوه منها، فإنه لوى شفتيه وقال إنها بلد «بنت كلب» ــ هكذا بالنص ــ ولا تستحق العيش فيها، وأمضى بعض الوقت فى محاولة إقناعى بوجهة نظره.

أتذكر هذا اللقاء كلما شاهدت مسئولا أو واحدا من المنتفعين يعظنا فى حب مصر، لأن أكثر من تجربة أقنعتنى بأن أغلب هؤلاء يحبون مناصبهم وكراسيهم وأرصدتهم بأكثر مما يحبون مصر، ولذلك يعنُّ لى دائما أن أسألهم عما يعنونه حقا بالحب وما يعنونه بكلمة مصر التى يتعلقون بها ويذوبون فى غرامها.

الأمر أكبر من أن يتصدى له برنامج تليفزيونى أو بعض الجنود المجهولين الذين سارعوا إلى الإغاثة وقدموا نموذجا للحب الحقيقى لمصر. فالحدث أكثر جسامة وأعمق أثرا، حتى أصبحت أتمنى أن نتعامل معه بنفس درجة الحماسة التى تعترينا حين يخوض المنتخب الكروى مبارياته.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved